دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٣٦ - البراءة في الكتاب الكريم
الثانية : هذه البراءة المستـنبَطةُ من هذه الآية يصحّ إجراؤها في الشبهات التحريمية والوجوبـية أيضاً ، وذلك لأنّ مهمّة الرسول أن يُـبَيِّنُ كلَّ الأحكام الوجوبـية والتحريمية .
الثالثة : هذه البراءةُ المستـنبَطةُ من الآية يصحّ إجراؤها عرفاً في القيود الزائدة المشكوكة لأنه يصدق فيها أنه لم يـُبعث لنا فيها رسولٌ وبـيان بالتقيـيد .
الرابعة : هل هذه الآية تفيدُ أنّ عدمَ العذابِ هو من باب عدمِ استحقاقهم العذابَ بدعوى أنه بعد البحث والفحص وعدم وجدان الحكم الشرعي يكون العقابُ قبـيحاً ، أم أنّ عدم العقاب هو من باب المنّ والتـفضّل ؟
لا أدري ، فاللهُ تعالى يقول نحن ليس من شأننا أن نعذِّبَ حتى نبعث رسولاً ، وهذا أعمّ من أن يكون من باب الظلم وعدم العدالة أو من باب المنّ والتفضُّل .
فإنت يمكن أن تقول "ما كنتُ خائـناً لأصدقائي" و "ما كنتُ ظالماً لزوجتي" أي أنت لا تـفعلُ ذلك لأنك لستَ متصفاً بصفتَي الخيانة والظلم المبغوضين عقلاً ، كما قال [وما ربُّك بظلاّم للعبـيد] [٦٤٠]فهي تـنفي هذه الصفةَ المبغوضة ، فكأنّ الله تعالى يقول ليس من صفتي الظلمُ ولا من صفتي أن أعذّبَهم قبل أن أُبَـيِّنَ لهم ، لأنه قبْل البـيانِ هو ظلمٌ ، فهي من قبـيل قوله تعالى [وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ][٦٤١]أي أنّ الله تعالى ليس ظالماً فيعذّبَهم وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ الإستغفارَ الحقيقي ، فإنهم لا يستحقّون العذابَ طالما كان استغفارهم حقيقياً ، وهو لن يعذّبَهم حتى يُـبَـيِّنَ لهم مواضعَ الحلال من الحرام ، فتكون آية [وَمَا كُـنَّا مُعَذِّبين حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً] مؤيّدةً ـ على هذا الأساس ـ لقولِنا بقبح العقاب بلا بـيان ، وامتـناعُ المعذِّبـية ـ على هذا الفَهْم ـ هو في الحقيقة امتـناع عقلي لأنه ينافي عدلَ الله تعالى .
ويمكن أن يقول الله تعالى "ما كنتُ معطياً خلقي مقدارَ كفايتهم فقط ، وإنما أُوَسِّعُ عليهم" ، فيكون نفْيُ اللهِ هذه الصفةَ عن نفسه من باب دفع توهُّم العدالة المحْرِجَة والضيّقة ونفي عدم الجود والكرم ، لأنّ عدم الجود والكرم ليسا لائقَين بكمال الله تعالى وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، مع أنّ التوسعة غيرُ واجبة عقلاً وإنما هي مستحبّة ومن باب المنّ والتفضّل ، ويصحُّ حمْلُ الآية الكريمة على هذا المعنى أيضاً فيكون رفْعُ العذاب من باب المنّ والتفضُّل ، وتكون هذه الآيةُ ـ بناءً على هذا المعنى ـ مؤيّدةً لمسلك حقّ الطاعة ، وامتـناعُ المعذِّبـيّة ـ بناءً على هذا المعنى ـ هو امتـناع لَياقَتي ، لأنّ الله تعالى لو خُيِّر بين العدالة والكرم لَقَدَّمَ الكرمَ لأنه الأليقُ بأسمائه الحسنى وصفاته العليا .
[٦٤٠] آل عمران ـ ١٨٢ .
[٦٤١] الأنفال ـ ٣٣ .