دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩١٨ - تطبـيقات للجمع العرفي
السالف الذكر في التطبـيق الرابع ؟! وبتعبـير ثالث : أليس التحريم إلزاماً ، والترخيصُ في التطبـيق ليس إلزامياً ؟! على أنك إن أكرمتَ العالِمَ الفاسقَ فأنت لا تعلم براءةَ الذمّة ، وذلك لاحتمال غلبة المفسدة على المصلحة ، لا ، بل أنت تحتمل أنك تكونُ قد ارتكبتَ حراماً ، والأصلُ الإشتغال وعدمُ براءة الذمّة ، وأمّا إن أكرمت العالِمَ العادلَ ـ اجتـناباً للإكرام المحرَّم ـ فأنت تعلم بـبراءة الذمّة .
نعم ، إن ورد (لا تكرم أيّ فاسق) و (أكرم كلَّ عالم) وشككنا في أهميّة جانب المفسدة على جانب المصلحة أو العكس ، فإنّ العقل يحكم بتقديم جانب المفسدة والنهي على جانب المصلحة . وهذا أمْرٌ يُدْرِكُهُ كلُّ عاقل في العالم ، فلو شَكّ التاجِرُ مثلاً ـ بنحو التساوي في الإحتمالين ـ أنه بالتجرة الفلانية أمّا يربح مئة مليون ليرة قطعاً وإمّا سوف يخسر مئة مليون ليرة ، والإحتمالان متساويان ، فإنه لن يُقْدِمَ على هذه التجرة الخطيرة .
٦) نظريّة انقلاب النسبة : وخلاصتُها أن تـنقلب النسبةُ بين دليلين ـ بسبب دليلٍ آخر ـ إلى نسبة أخرى ، كما لو كان يوجَد دليلان بـينهما عموم من وجه ، ودليلٌ أعمّ منهما ، فلو خصّصنا العامَّ الفوقاني بأحدِ الخاصّين ، وصار العامُّ أخصَّ من الخاصّ الثاني ، كان هذا انقلاباً للنسبة من الأعمّ إلى الأخصّ ، وكما لو انقلبت النسبة بين الدليلين من التباين إلى العموم المطلق ، فهذا أيضاً انقلاب للنسبة وهكذا [٩١٧] ... المهمّ هو أنه لا مانع من انقلاب النسبة إذا كان الإنقلاب قد حصل على مستوى الدلالة التصوّريّة ، إذ يجب الجمع بين الروايات بالنظر العرفي ، أي على مستوى المداليل التصوّريّة ، ثم بعد معرفة المدلول التصوّري المجموعي وبعد معرفة حال المتكلّم نعرفُ المدلولَ الجِدّي للمتكلّم ، وهذا هو موضوع الحجيّة . ولتوضيح المطلب يكفي أن نعطيَ ثلاثةَ أمثلة على ذلك :
*الأوّل : بناءً على عمومِ نجاسةِ البول ، وهناك عمومٌ أصغر منه دائرةً وهو مفاد صحيحة عبد الله بن سنان إذ تقول إغسل ثوبَك من أبوال ما لا يؤكل لحمُه ، وعندنا صحيحة أبي بصير وهي تقول كلُّ شيءٍ يطير فلا بأس بخُرئه وبوله ، فيقع التعارضُ في خُرْء وبول الطير الذي لا يؤكل
[٩١٧] قال مقدِّمُ كتابِ مستـند الشيعة في ج ١ منه ص ١٤ : "يُستـفاد من مطاوي الكتاب عِدَّةُ مَبانٍ للمؤلف : منها : انقلاب النسبة فيما كان التعارض بين أكثر من دليلين ..." (إنـتهى) . وبناءً على صحّة هذا الكلام يكون أوّل القائلين بهذه النظريّة هو المولَى أحمد بن محمد مهدي النراقي (المتوفَّى سنة ١٢٤٥ هـ) في كتابه (مستـند الشيعة في أحكام الشريعة) . ولِلْعِلْمِ فإنّ صاحبَ كتابِ (جامع السعادات) الذي هو محمد مهدي النراقي (١١٢٨ ـ ١٢٠٩هـ) هو والد المولى أحمد النراقي .