دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٢٩ - ١ ـ البراءة العقليّة
وثانياً : بدليل خطورة الموقف يوم القيامة ، فإنّ أمامنا يومَ القيامة وناراً وجحيماً ، وأنت إذا احتملتَ أنّ في هذه الغابة أسداً فلن تدخلها ، فكيف وأنت تعلم أنّ في القضيّة احتمالَ الخلود في النار ؟! فيجب دفْعُ هذا الضررِ المحتمَل عقلاً ، قطعاً ، وذلك بالإحتياط والعملِ بما يُعلَمُ معه رضا الله سبحانه وتعالى .
حتى على صعيد الموضوعات الخارجية ، فإنّ المولى كان يصف نفس الموضوعات بالوجوب أو الحرمة ، فكان يقول بحرمة الخمر ، لا بحرمة مقطوع الخمريّة ، وهذا يستوجب ترْكَ ما نحتمل خمريَّتَه ، حِرْصاً على الملاكات الواقعية . هذا كلّ ما يمكن أن يقوله الشهيد السيد الصدر .
قالوا : وذهب الأخباريون إلى أصالة الحظر بناءً على تعارض أدلّة البراءة الشرعية مع أدلّة الإحتياط ، فوجب الرجوع إلى أصالة الحظر العقلية المبنيّة على أنّ كلّ ما في الدنيا هو لله تعالى ، فوَجَبَ الإحتياطُ في التصرّف بأيّ شيء إلاّ بإذنه ومع العِلْم بإذنه .
وتوقّفَ الشيخُ محمد أمين الإسترآبادي في كـتابه الفوائد المدنية في مسألة (هل أنّ الأصل في الأشياء هو الحِلّ أو الحرمة) ، فقال "إنّ الروايات صريحة في أنّ "كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهيٌ" وفي أنّ "ما حَجَبَ اللهُ عِلْمَه عن العباد فهو موضوع عنهم" فالشريعةُ دلّتـنا على أنّه كانت الأشياء قبلها على الإباحة الأصلية" ، وقال بأنّ "القول بالحظر في حقّ المتردّد باطل قطعاً" ، ثم قال بالتوقّف مستدلاًّ بمقبولة عمر بن حنظلة ... وإنما الأمورُ ثلاثةٌ : أمْرٌ بين رُشْدُهُ فيُتَّبَعُ ، وأمْرٌ بين غَيُّهُ فيُجتـنبُ ، وأمْرٌ مشْكِلٌ يُرَدُّ عِلْمُهُ إلى الله وإلى رسوله [٦٣٠] . أقول : يلاحظ من قوله الأخير أنه انسحب من قوله بالبراءة العقلية وقال بالتوقّف ، هذا أوّلاً ،وثانياً : لا يصحّ الإستدلال بالرواية الثانية على الإرشاد إلى أصالة البراءة العقلية ، فلعلّ وضع التكليف المحجوب عن العباد هو من باب المنّ والتفضّل على العباد ، لا من باب حكم العقل الأوّلي ، بخلاف الرواية الأولى فإنها تصرّح بأنّ كلّ شيء مطلق أي بحسب الأصل الأوّلي .
* ونـتعرّض أوّلاً إلى ما ذَكَرَهُ السيدُ الشهيد من أنّ مولويّة المولى تعالى ليست محدودةً بالأمور المعلومة فقط ، وإنما دائرتُها شاملةٌ لمطلق الإنكشافات ، أي حتى الإحتمالات ، وذلك لأنّ الله الذي خلقنا هو المالك الحقيقي لنا وأنّ كلّ ما حولنا هو ملك الله جلّ وعلا ، فكيف نـتصرّف بماله ومخلوقاته من دون إذنه ؟! وبالأثـناء سيتّضح الردّ على بعض الأخباريـِّين فأقول :
[٦٣٠] ئل ١٨ ب ٩ من أبواب صفات القاضي ح ١ ص ٧٥ .