دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢١٥
قطعتَ أنّ الذي أمامك بنايةً كبـيرة فالأثرُ العقلي أنك لن تحاول رفْعَها ، وهكذا .
المسألة الثانية : ذَكَرَ بعضُ الأخباريـين أنّ القطع الناشئ من العقل غير حجّة ، بل قد ردَعَ الشارعُ المقدّسُ عن هكذا قطع .
أقول : كلامُهم هذا ينافي العقل ثبوتاً لما ذكرناه في الأسطر السابقة ، هذا أوّلاً ،
ثانياً : تـنزّلنا وقلنا بالإمكان العقلي ، لكن عندنا مشكلة إثباتية وهي أنه بعد القطع والعلم والكاشفية التامّة لن يصدّق المكلّفُ أنه غير مكلّف بما توصّل إليه من تكاليف إلزامية مثلاً كما لو قطع الإنسان من خلال عقله بوجوب إنقاذ الغريق المسلم المؤمن وبحرمة تسميم المسلمين عقلاً ، خاصةً إذا كان القاطعُ مجتهداً فقيهاً ، فإنه لا يشكّ في أنه غير مقصود بهذا النهي .
ثالثاً : يفهم المجتهدُ منهذه الروايات أنّ المراد من هذا النهي هو الإستغناء عن أئمّة الهدى (علیهم السلام) والإعتماد على العقل فقط ، وهذا لا يحصل عند أحد من العلماء الشيعة الأتقياء ، فتلك الروايات إذن غير ناظرةٍ إليهم ، وإنما هي ناظرةٌ إلى العامّة الذين يعملون بالقياس ويستغنُون بعقولهم عن الرجوع إلى خلفاء الله في أرضه .
نعم ، العقل لا يدرك تمام ملاكات الأحكام ، ولهذا يجب حملُ الروايات الناهية عن العمل بالعقل على أنها ناظرةٌ إلى اُولئك الذي يستغنون بعقولهم عن الرجوع إلى أئمّة الهدى ، أقصد أنّ مراد أئمّتـنا (علیهم السلام) هو تـنبـيه المجتهدين إلى لزوم شدّة التأمّل وعدم الجزم والقطع فوراً من خلال العقل ، فما أبعدَ دِينَ اللهِ عن عقول الرجال .
وبتعبـير آخر : هل يمكن للإمام الحجّة (عج) أن يقول للفقهاء من شيعته "كلّ قطع تقطعونه من خلال العقل فهو غير حجّة" ؟
والجواب : إنْ كان الكلام على إطلاقه فهو محال ، إذ أنّ نفس وجوب إطاعة المولى تعالى ناشئةٌ من قطع العقل بذلك ، فلو كان نفسُ قطع العقل غيرَ حجّة لسقط حكم العقلبوجوب إطاعة المولى تعالى ، بل إنّ اللهلا يرضى بأن يقول شيئاً مخالفاً للعقل ومخلاًّ لدينه .
وإن كان الكلام ناظراً إلى أنّ العقل قد يقع في مخالفة الواقع ـ نظراً إلى أنّ العقل لا يدرك كلّ ملاكات الأحكام ـ فصدوره ممكن ثبوتاً ، لا بل صدر هذا الكلام خارجاً ، ولكن الفقيه لن يصدّق بذلك بعدحصول قطع لديه لما ذكرناه قبل قليل ، ولكن الحقيقة أنه حينما يردنا مثل هكذا روايات