دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٢ - المـقـدّمـة
نطفتها لا يفيدنا إلا عدمَ وجودها ، وهذا باطل لأنها وُجِدَتْ ، والإستصحابُ النعتي يَنفي الإتصافَ بصفة خاصّة ولا يُثبت الهاشميةَ ولا العاميّة ، لكنها وُجِدَتْ متّصفةً بصفة ما ، لا نعرفها ، والأصلُ هو عدم الهاشمية وليس الأصلُ الهاشمية ، لكن أيّ أصل هذا ؟ فنقول هو أصالة الإستصحاب الإجتماعية لا غير . فسنرجع لا محالة إلى الإستصحاب الإجتماعي المسلّم عند جميع العقلاء .
كما أنّ علماءنا تساهلوا في التعبـير عن الركن الثاني من أركان الإستصحاب ، وحقُّ التعبـير أن يقال : بأنه الشكّ في طروء التغيُّر ، وهو على نحوين : الشكّ في طروء عارضٍ على الموضوع غيّر حُكْمَه ، كالشكّ في طروء النجاسة على الثوب ، والثاني : الشكّ في طروء التغيّر على نفس الموضوع ، كالشكّ في انقلاب الكلب الواقعِ في مملحةٍ إلى ملح .
وأيضاً ـ في موضوع الإستصحاب ـ شاع وذاع القولُ بأنّ الإستصحابَين في موارد التعارض يتعارضان ويتساقطان ، وهذا خطأ ، فلو كنّا نعلم بطهارة إناءين ، ثم علمنا بطروء نجاسة على أحدهما ، فليس لنا أن نستصحب الطهارةَ في الإناءين ثم بسبب تعارضهما نُسقطهما ، وإنما نحن لا نُجري الإستصحابَين من الأصل ، وذلك لعدم إمكان جعلِ الإطلاقِ ـ أي في مرحلة الجعل ـ لحالة التعارض والتكاذب ، بأن يقول الباري تعالى ـ في مرحلة الجعل ـ أنا جعلتُ الإستصحابَ مطلقاً حتى في حال التعارض ، فأنت تعلم أنه إمّا أن يكون الجعل ـ ثبوتاً ـ مطلَقاً وإمّا أن يكون مهمَلاً ، ولا يمكن الإهمال في مرحلة الجعل ـ أي الإعتبار المبرَز ـ ، كما لا يمكن الإطلاقُ لحالة التعارض والتكاذب كما قلنا ، فيتعيّنُ تقيـيدُ جعْلِ الإستصحاب بغير حالة التعارض فقط . وبتعبـيرٍ آخر : لا يكفي وجودُ اقتضاء جريان الإستصحاب في جريانه مع وجود مانع من جريانه وهو ـ في المثال المذكور ـ العِلمُ بنجاسة أحدهما .
كما أنّنا ميّزنا بوضوح بين الأصل المثبت ـ كما لو أردتَ من استصحاب بقاء حياة الولد الضائع إثباتَ (نبات لحيته) وكما في مثال مَنِ احتملنا أنه بقي نائماً تحت الحائط الذي وقع إلى جهته فإننا حين نريد إجراءَ استصحابِ بقائه تحت الحائط فإنما نريد إثبات عنوان تكويني وهو أنه (قد مات) ـ والشبـيه بالأصل المثبت الذي تَـثْبُتُ لوازمُه تلقائياً ـ كما في استصحاب عدالة المفتي الذي يجري بالإجماع لأنّ موضوع الحكم بجواز التقليدِ مركّباً ـ ، وقلنا هناك أيضاً بعدم جريان الإستصحاب النسبي ، وقلنا هناك أيضاً بأنك حينما تستصحب عدمَ انـتهاء شهر رمضان فأنت لا تريد من هذا الإستصحابِ إثباتَ أنّ ما بَعده هو من رمضان تكويناً وأنّ ما بَعده هو إذَنْ يومُ العيد واقعاً لتقع في الأصل المثبت ، ولكنك حينما تستصحب عدمَ انـتهاء شهر رمضان فأنت سوف تقول "تعبّدنا الشارعُ المقدّس بكون غدٍ هو من