دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٨٤ - مقدّمة البحث
* ثم اعلم أنّ الله تعالى يعتبر أحكامَ المجتهد الظاهرية بمثابة الأحكام الواقعية من الناحية المذكورة ، وذلك لا يعني أنه جلّ وعلا يجعل حكماً ظاهريّاً آخرَ مماثلاً لحكم المجتهد ، فإنه لغو محض[١٧٤] .
وهنا شيء وهو أنّ الفقيه المرجع إنما يُتّبَعُ في خصوص ما يتوصّل إليه عبر الطرق الشرعية التي رسمها لنا اللهُ جلّ وعلا ، فلو فرضنا أنه اعتقد بحكمٍ ما من خلال المنام أو التـنجيم ونحو ذلك لا يكون علمه لغيره حجّة . وبتعبـير آخر : العامّيّ إنما يرجع إلى الفقيه فيما يستـنبطه من خلال الطرق الشرعية لا من خلال القرعة والإسطرلاب ونحو ذلك ، فهو يرجع إليه كخبـير شرعي لا كمنجّم .
* حُكْمُ المجتهدِ غير الأعلم :
لا شكّ أنّ المجتهد غير الأعلم ـ بنظر الناس ـ يرى نفسَه الأعلمَ في المسألة التي بحث فيها وبَذَلَ أقصى جهدِه في سبـيل معرفة الحكم الشرعي الواقعي أو الظاهري وراجع آراء العلماء وو . نعم ، قد يذهب المفضولُ أخيراً إلى الأعلم ويناقشه فيتغيّر رأيه عند مناقشته للأعلم ـ مع أنه لا يجب على المجتهد أن يذهب إلى الأعلم ويناقشه في كلّ مسألةٍ يقتـنع بإصابته فيها ـ ، وهذا الذهابُ والنقاش كمال فيه لأنه لا يزال يحاول معرفةَ الواقع ، فبعد مناقشته مع الأعلم قد يقتـنع بما قاله له الأعلم فيرى نفسَه ـ بعد ذلك ـ أنه لا أعلم منه في هذه المسألة ، لأنّ المفروض أنّ رأيه ورأي الأعلم متوافقان ، وقد لا يقتـنع فيرى نفسَه الأعلم ، وقطْعُه حجّةٌ واضحة له وعليه . نعم ، إن لم يكن المجتهدُ المفضولُ مطمئـناً بالحكم الذي توصّل إليه وواثقاً بصحّته فمِنَ الأصلِ لا يكون حجّة ، لكن هذا الفرض خارجٌ عن محلّ الكلام .
ثم إنه ليس من المعلوم أنّ الأعلم يكون دائماً الأعلم في كلّ مسألة ، فقد يكون في بعض الأحيان ـ عند استـنباطه للحكم المبحوث فيه ـ مبتلى بمرض أو بعارض روحي أو مشكلة حياتية تمنعه من البحث التامّ ، فيكون غيرُ الأعلم ـ أي المفضول ـ أعلمَ منه هذه المسألة المبحوث فيها ، على أنه لا مانع من تغيّر رأي الأعلم في بعض المسائل ، كما هو معلوم في الخارج . إضافةً إلى أنه لا فرق كبـير ـ
[١٧٤] حتى في الموضوعات الخارجية لا يجعل اللهُ تعالى حُكْماً مماثلاً للحكم الظاهري ، فمثلاً : حينما يستصحبُ المكلّفُ طهارةَ ثيابه فإنّ الله تعالى لا يجعل حكماً مماثلاً للحكم الظاهري الذي شرّعه الله جلّ وعلا ، فإنه لغو محض بعد تشريع الإستصحاب ، وإنما يعتبر اللهُ تعالى ثوب الشاكّ طاهراً ظاهراً بالنسبة إلى المكلّف بحيث لو قُدّر لنا أن نسأل الله تعالى عن حكم الثوب بالنسبة إلى هذا المكلّف الشاكّ لأجابنا بأنّ عليه أن يعتبره طاهراً لأنه شرّع له الإستصحاب في هكذا حالات ، وهذا لا يعني أنه يجعل حكماً مماثلاً فانـتبه .