دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٣٤ - ٤ ـ الإستصحاب في الاُمور التدريجيّة
وبتعبـيرٍ آخر : الوجودُ الأوّلُ هو غيرُ الوجود الثاني ، خاصةً إن شككنا في الوحدة العرفيّة ، كما في مشي الشخص الذي يتـنزّه ، والمشيُ في الدقيقة اللاحقة غيرُ المشي في الدقيقة السابقة ، لذلك فإنه يصعب عليهم الإستصحاب في هكذا حالات ، فشرطُ الإستصحاب ـ الذي هو عبارةٌ عن وَحدة المتيقّن والمشكوك ـ غيرُ موجود ، ولذلك لو نَذَرَ شخصٌ وقال "للهِ علَيّ أنْ اُسَبّحَ اللهَ تعالى طالما كان زيدٌ يمشي" فمِنَ الصعبِ عرفاً ومتشرّعيّاً أن يُجري استصحابَ مشيِه الآتي الزائد الذي لم يَحْدُثْ بَعْدُ بذريعة شمول قولِهم (علیهم السلام) "لا تـنقضِ اليقينَ بالشكّ" لما نحن فيه ، فإنّ المستصحِبَ يَرَى أنّ مشي زيدٍ السابقَ قد فَنَى ، والآتي لا يَعلم حدوثَه ، واستصحابُ مفهومِ المشي مرفوض عقلائيّاً ، لأنّ المستصحَب المرادَ استصحابُه هو بقاء الحالة السابقة الخارجية ، أي أنّ المنظور عند المستصحِب هو استصحاب المستصحَب الشخصي الجزئي الخارجي ، لا استصحابَ بقاء المفهوم الكلّي الذهني للمشي ـ أي عنوانَ المشي ـ ، لا بل حتى المفهوم الكلّي غير واضح في الذهن لعدم معرفة مقدار المشي ، وكذا إذا أردنا أن نستصحب أكْله ، وكذا أيضاً فيما إذا نَذَرَ شخصٌ فقال "للهِ عليّ أن اُسبّح اللهَ طالما كان زيدٌ يتكلّم" فالتكلّمُ ـ عادةً ـ يتخلّلُه السكوتُ ، ولا يوجَدُ كلُّه في الزمان السابق ، وإنما يوجَدُ بعضُه الذي تصرّم ، وأمّا الذي لم يأتِ فلم يأتِ بَعدُ ، ففي هكذا حالةٍ يجوز للناذرِ أن يَتْرُكَ التسبـيحَ ، وذلك لعدم علمه بأنّ زيداً لا يزال يتكلّم ، بل يستصحب عدم تكلّمه الجديد ، إضافةً إلى أنه يكون من باب الشكّ في التكليف الزائد .
٢ ـ إنّ لنا أن نشكّك ونقول : هل يجري في هكذا حالةٍ استصحابُ عدم توقّفه عن الكلام أم يجري استصحابُ عدم التكلّم الجديد ؟ إذن فهُما متعارضان ، ولا وجه لتقديم استصحاب عدم توقّفه عن الكلام ، لا بل التقدّمُ هنا ـ بوضوح ـ لاستصحاب عدم التكلّم الجديد .
٣ ـ إنّ الأصلَ هو عدمُ تشريع هكذا استصحاب لمستصحَبٍ ذهني .
٤ ـ إن لم يكن المستصحَبُ متّصلاً عرفاً كالمشي والتكلّم ـ بخلاف المطر ـ فلا دليل على حجيّة استصحاب ما شُكّ في صحّة استصحابه ، وذلك لِعِلْمِنا بعدم حدوثه أوّلاً ـ أي ليس له حالة سابقة ـ وإذا عَلِمْنا بحدوثه فقد عَلِمْنا بتصرّمه في اللحظة الثانية ، فالشكّ في جريان الإستصحاب في هكذا حالات هو شكّ في أصل التعبّد به ، وبتعبـيرٍ آخر : هنا شبهةٌ مصداقيّة في كون هكذا حالات من مصاديق موارد الإستصحاب .
ومن هنا تعرف الفرقَ بين استصحاب بقاء حياة زيد واستصحاب الزمانيّات كالحركات ، ففي حياة زيدٍ الإستصحابُ عبارةٌ عن استصحاب عدم خروج الروحِ منه ، وبالتالي بقائها ، فوجودُها في زيد في