دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٧ - المـقـدّمـة
* وسوف تلاحظ أيضاً اهتماماً باستعمال المصطلحات في مواضعها المناسبة من قبـيل : شروط الوجوب وهي التي يتوقّفُ عليه وجوبُ الواجب من قبـيل الإستطاعة إلى الحجّ ، وشروطِ الواجب وهي ما يتوقّف عليها الواجب من قبـيل كون الصلاة عن طهارة ، ومقدّماتِ الواجب وهي التي يتوقّف عليها الإتيانُ بالواجب كالطهارة للصلاة ، ولذلك كان شرط الواجب واجباً شرعاً ، لأنه داخل في نفس الواجب ، ومقدّمةُ الواجب واجبةً عقلاً فقط ، لا شرعاً . وتراهم لم يلتفتوا إلى نفس كلمة (مقدّمة) وأنها يجب أن تـتقدّم على ذِيها بالتقدّم الزمني أو بالتـقدّم العِلّي والمعلولي ، ولذلك لم يميّزوا بين مقدّمة الواجب وشرط الواجب ، فترانا نقول بأنّ مقدّماتِ الواجب تكون عقليّة بحتة دائماً كالسير إلى الحجّ وكالوضوء ، فحينما يأمرنا المولى تعالى بالوضوء للصلاة فهو إنما يأمرنا به لتحصيل قيد الصلاة أي شرطها ، لا أنّ نفس الوضوء مطلوب لنفسه ، فالوضوء هو مقدّمة عقلية لتحصيل (الصلاة عن طهارة) وليس مطلوباً لنفسه . نعم ، قد تُطلَبُ الطهارةُ لنفسها لاستحباب الكون على الطهارة كما هو معلوم ، لكن هذا مطلب آخر لا نـنظر إليه في هذه البحوث ، وأوضحنا ذلك بقولنا : إنّ الواجب النفسي هو (الصلاة عن طهارة) ، ولا يمكن عقلاً أن يأمرنا المولى تعالى بـ (الصلاة عن طهارة) ويأمرَنا أيضاً بالوضوء ، وذلك لأنه أمْرٌ مكرّرٌ فيكون لغواً محضاً ، ولذلك نقول بأنّ الأمر بالوضوء ـ في الآية الكريمة ـ هو إرشاد إلى كيفية تحصيل الطهارة التي هي مقدّمة عقلية لتحصيل (الصلاة عن طهارة) ، فالأمر بالوضوء هو أمر إرشادي عقلي لتحصيل الطهارة ، لا مولوي تكليفي شرعي ـ لأنه كما قلنا لو كان تكليفياً شرعياً لكان لغواً محضاً ـ ، ولذلك لو ترك الإنسانُ الصلاةَ فإنه لا يحاسب على ترْكِ الوضوء أيضاً ، وإنما يستحقّ العقابَ على ترك الصلاة فقط ، وهذا يكشف عن أنّ الأمر بالوضوء ليس تكليفياً شرعياً . من خلال ما ذكرنا تعرفُ أنّ الوضوء هو مقدّمة عقلية لتحصيل الطهارة ، لأنه علّة شرعيّة لتحصيل الطهارة ، والطهارة هي مقدّمة عقليّة للصلاة . نعم كيفيةُ الوضوءِ هي شرعية بوضوح .
مثالٌ آخر : ميّزنا بين الوجوب المشروط ـ كما في (إن استطعتَ فحِـجَّ) ـ والواجبِ المعلّق ـ كما في تعليق الحجّ الواجبِ على مجيء وقته ـ والواجب المنجّز ـ كما في قول مولاك لك (تصدّقِ الآن) وكما لو زالت الشمسُ فصار فرض الظهر واجباً فعلاً على الشخص غيرَ معلّقٍ على شيء ـ .
مثال ثالث : الصحيح أن تقول (الإستصحاب هو الحكم الشرعي بـبقاء ما كان) ـ بنحو الجملة الخبريّة ـ وليس هو (الحكم الشرعي بإبقاء ما كان) ، وكذلك الأحسن أن نقول تَجري البراءةُ