دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٨٣ - التـنبـيه الثالث
اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُـبَـيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ .. ][٧٠٦] والمفروضُ أنّ المولى تعالى لم يُـبَـيِّن لنا أنه خمر ، وقال رسول الله w رُفِعَ عن أُمَّتي ما لا يعلمون[٧٠٧]والمفروضُ أنـنا لا نعلم بأنه خمر ، ولذلك يكون الجمعُ بين (شرب الخمر حرام) وبين هتين الآيتين وحديث الرفع هو (شرب الخمر المعلومِ الخمرية حرام) ، فلو شككنا في خمرية مائعٍ ما فعلينا أن نرجع إلى هتين الآيتين وحديث الرفع لتكون النـتيجةُ أنّ شُرب المائعِ المشكوكِ الخمرية جائزٌ ظاهراً والتـنجيزُ مرفوعٌ عَنّا .
وبالتالي لو سألتَ المجتهدَ عن حُكْمِ شربِ المائع المشكوك الخمرية لأجابك بالجواز بدليل الآيات وحديث رُفِعَ عن أُمَّتي ما لا يعلمون والمفروضُ أننا لا نعلم بخمرية هذا المائع ، فنحن إذن لا نعلم بحرمة شرب هذا المائع المشكوك ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى موثّقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (ع) قال سمعته يقول : كلّ شي ء هو لك حلالٌ حتى تعلم أنه حرام بعَينه فتدعه مِن قِبَلِ نفسِك ، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، والمملوك عندك لعله حُرٌّ قد باع نفسَه ، أو خُدِعَ فَبـيع قهراً ، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك ، والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غيرُ ذلك ، أو تقومَ به البَـيّنَة [٧٠٨]فهذه الموثّقة ناظرة إلى ما نحن فيه من الشبهات الموضوعيّة ، وذلك بقرينـتين : الاُولى أمثلة الرواية ، والثانية قوله (ع) بِعَيْنِه ممّا يعني أنّ نظر الرواية إنما هو إلى الشبهات الموضوعيّة الجزئيّة . وأيضاً أكثرُ نظرِ هذا الحديث إنما هو إلى حالة الشكّ البدْوي ، بدليل الأمثلة الواردة فيه ، وإن كان يشمل حالاتِ العلم الإجمالي أيضاً ، لأنّ كلمة بِعَيْنِه تعني أنّه قد يكون هناك علم إجمالي ، فحتى في بعض حالات العلم الإجمالي لك أن تُجريَ قاعدة الحِلّيّة الشرعيّة ... لكنْ على أيّ حال ، إنْ كانت قاعدةُ الحِلّيّة تَجري في بعض موارد العلم الإجمالي ، إذَنْ فبطريق اَولى هي تجري في موارد الشكّ البدْوي . وبتوضيح أكثر : إن كانت الشبهةُ غيرَ محصورة ، بأن كانت الأطرافُ كثيرةً بحيث خرج بعضُها من تحت الإبتلاء ـ كما في سوق المسلمين ـ فلَكَ أن تـتمسّك بهذه الموثّقة لِتُجريَ الحِلّيّةَ في الأطراف الواقعة تحت ابتلائك ، وذلك بالإجماع ، لأنها صارت بمثابة الشبهة البدْويّة ، رغم وجود علم إجمالي نظريّاً ، إذن لك ـ بطريقٍ اَولى ـ أن تـتمسّك بهذه الموثّقة لتُجريَ البراءةَ والحِلّيّة في الشبهة البدْويّة الغير مبتلاة أصلاً بالعلم الإجمالي .
[٧٠٦] التوبة ـ ١١٥ .
[٧٠٧] ئل ١١ ب ٥٦ من أبواب جهاد النفس ح ١ ص ٢٩٥ .
[٧٠٨] ئل ١٢ ب ٤ من أبواب ما يكتسب به ح ٤ ص ٦٠ .