دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٠٤ - الأمر الأوّل من بحث القطع أقسام القطع
حينما يقول الإمام الباقر (ع) لزرارةَ .. لا ، حتى يستيقن أنه قد نام ، حتى يجيئ من ذلك أمرٌ بيِّن ، وإلا فإنه على يقين من وضوئه ولا تـنقضِ اليقينَ أبداً بالشك وإنما تـنقضه بـيقين آخر فقد تقول ـ بالنظرة البدْوية ـ باشتراط أن تكون الحالةُ السابقة ثابتةً باليقين ، أي يُشترَطُ اليقينُ الوجداني ، فتقول بأنّ الركن الاوّل من أركان الإستصحاب هو اليقين الوجداني بثبوت الحالة السابقة .
لكن فكّرْ قليلاً فسترى أنّ اليقين هنا منظور إليه بنحو الطريقية والآليّة ، وإنما ذُكِرَ القطعُ في موضوع الحكم لأكثر من فائدة ، كإلغاء حالة الوسوسة من أذهان الناس ـ كما في قاعدتَي الطهارة والحِلّيّة ـ ، ولمزيد الإهتمام بتحصيل موضوع الحكم ـ كما في قوله تعالى[ .. فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ .. ] وأنه لا يكفي حسن الظاهر ، فلعلّها جاسوسة على المسلمين ، وللإهتمام بمسألة الفروج ، إذ أنها إن كانت باقيةً على كفرها فإنها تبقى على زوجيّتها من زوجها الكافر ـ . المهمّ هو أنّ المراد من اليقين هنا هو مجرّد ثبوت الحالة السابقة ولو بأمارة أو بأصل عملي ، والكاشفُ عن هذا أنك إن جاءتك أمارةٌ حجّةٌ وأخبرتك أنّ الحالة السابقة للإناء كانت كذا فإنك ترى أنّ الركن الأوّل للإستصحاب قد تحقّق بوضوح ولا تـتردّد في ذلك .
وكذا إن أجريت قاعدةَ الطهارة ، فإنك لا تـتردّد في ثبوت الحالة السابقة .
ولذلك نحن نقول بأنّ الصحيح هو أنّ الركن الأوّل من أركان الإستصحاب هو ثبوت الحالة السابقة لا اليقين بها .
وكذا الأمر في قاعدة الطهارة تماماً ، فلو فرضنا أنّ الأمارة أخبرتك بنجاسة شيء معيّن ، فإنّ الأمارة تقوم مقام العلم الوارد في موثّقة عمّار السابقة ، وكذا لو ثبتـت النجاسةُ بأصل عملي ، كما لو ثبتـت النجاسة باستصحابها ، فإنك ترى نفسك عالماً شرعاً بنجاسة الشيء ، وتُقَدِّمُ استصحابَ النجاسة على قاعدة الطهارة بالإجماع .
ولذلك فنحن ندّعي أنّ القطوعات الموضوعيّة الظاهرة في الصفتيّة ـ تمسّكاً بالظهور العرفي ـ ، هي في الواقع طريقيّة ، فإنّ طلب تحصيلِ القطع ـ في موضوع الحكم ـ ثم الإنسحاب من تحصيل القطع والإكتـفاء بالأمارة أو بالأصل ، وذلك بإقامة الأمارة أو الأصل مقام القطع الصفتي هو تطويل للمسافة ، وهذا أشبه شيء بالأكل من القفا ، فمن الأصل صرِّحْ بقولك يا مولانا بكون القطع الموضوعي طريقياً ـ أي بمعنى الدليل الحجّة ـ وليس صفتياً ، فح تقوم الأمارة والأصل مقام القطع الطريقي ، لأنهما دليلان حجّة ، ولا يقف ح المحقّق النائيني رافضاً لفكرة قيام الأمارة والأصل مقام القطع الصفتي ، بذريعة عدم إمكانه عقلاً وتكويناً ، وبذريعة أنه أشبه شيء بتـنزيل الحائط منزلة