دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٠٩ - تـنزيل خبر الثقة منزلة اليقين أو مسلك الطريقية
وغيرها من الأحاديث أكثرُها بنفس المضمون من تـنزيل الرواية منزلةَ كلام نفس الإمام عليهم السلام جميعاً ، وبعضها تـنزّل الإحتمالَ منزلةَ اليقين .
وأنت إذا دقّقتَ في معنى تـنزيل مفاد الأمارة منزلةَ الواقع تعرفُ أنّ الشارع المقدّس نزّلك أيضاً منزلةَ العالِمِ بالواقع ، وما ذلك إلاّ لملازمتهما عقلاً وعرفاً ، وذلك لأنّه إنْ قال لك المولى تعالى مثلاً "هذا طاهر شرعاً" فمعناه أنك صرتَ ـ بنظر المولىوبنظر نفسك ـ عالماً بطهارته الشرعية ، لا بل إنّ روايةَ وعرف أحكامنا وروايةَ فإنه لا عُذْرَ لأحدٍ مِن موالينا في التشكيك فيما يُؤَدّيه عَنّا ثِقاتـنا صريحتان في تـنزيل الإحتمال منزلةَ اليقين ، ولعلك تستـفيد ذلك أيضاً من الرواية الأخيرة (رقم ١٢) ، ولا يلزم من هذا التلازمِ التضادُّ في اللحاظَين والنظرَين الآلي (وهو تـنزيل مؤدّى الأمارة منزلة الواقع) والإستقلالي (أي تـنزيل إحتمالِ الإصابة منزلةَ القطع) كما ادَّعَى صاحبُ الكفاية فادّعى أنّ التـنزيل هو فقط التـنزيل الأوّل ـ أي الآلي ـ دون الثاني !
أقول : هذه اُمور تعبّديّة محضة ولا مشكلة في ذلك . لا ، بل لا داعي لئن نقول بأنّه لا يمكن اللحاظَين ـ النظرَين الآلي والإستقلالي ـ في نفس التـنزيل الواحد ، وذلك لظهور أنه يوجد عندنا تـنزيلان مستقلاّن ، فلا داعي لأن نقف على مشكلة (عدم إمكان التـنزيلين بتـنزيل واحد) طالما يوجد عندنا طريق آخر وهو التـنزيلان الآلي والإستقلالي .
المهم هو أنّ الله تعالى تمّم كاشفيّةَ الأمارات بوضوح ، بمعنى أنه اعتبرها مصيـبةً للواقع ، بمعنى أنها عينُ الواقعِ شرعاً وتعبّداً ، وعليه فإذا وردنا (مقطوع الخمرية حرام) ثم جاءتـنا أمارةٌ حجّة تقول (هذا خمر) فهذا يعني أنه بمنزلة الخمر شرعاً ، فإنك لا محالةَ ستقول المراد من (مقطوع الخمرية) هو (الخمر) ـ بناءً على قولنا بكون القطع الصفتي طريقياً ـ والشرعُ يقول (هذا خمر) ، فإذن يجب الإجتـناب عنه لكونه شرعاً خمراً ، وهذا ما يعبّرون عنه بـ (قيام الأمارة مَقام القطع الطريقي والقطع الصفتي) .
والنـتيجة هي أنه لا شكّ في أنّ الأمارات تقوم مقام القطع الصفتي ، لأنّ الإعتبار سهلُ المؤونة ، ولو كان التحقيق ـ كما قلنا سابقاً ـ أنه لا وجود للقطع الصفتي في الشريعة ، وذلك لقيام الأمارات والأصول مقام القطع الموضوعي الصفتي دائماً ، ومعنى هذا هو الإنسحاب من كون القطع صفتياً والتـنزّل إلى إقامة الأمارة أو الأصل مقامه ، وهذا يعني أنّ القطع الموضوعي الصفتي هو طريقي قطعاً ، وإلاّ لكان جعْلُه صفتياً ثم التـنزّل إلى كفاية الأمارة أو الأصل مكانه تطويلاً للمسافة ، وهو لَغْوٌ محض . نعم جعْلُه في موضوع الحكم له فوائد معروفة ، مِن قبـيل أنّ القطع الموضوعي المأخوذ في قاعدة الطهارة ـ مثلاً ـ هو لإزالة الوسوسة من عند المؤمنين ، وللقول بعدم لزوم التطهير عند حصول الشكّ أو حتى عند الظنّ