دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٥٧ - الروايات التي يُفهم منها البراءة
ونفس معنى موثّقة عمّار المشهورة القائلة بأنّ كلّ شيء نظيفٌ حتى تعلم أنه قذر ، فإذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك [٦٦٧] . لا ، بل حتى الشيخ الصدوق فَهِمَ هذا المعنى الذي ذكرناه مِن معنى الوصول إلينا ولذلك استدلّ بهذه الرواية على جواز الدعاء بالفارسية .
هذا ، ولكن هناك احتمال آخر للرواية وهو ما احتمله صاحبُ الكفاية وهو :
أن نحتمل من كلمة حتى يَرِدَ فيه نهيٌ إرادةَ معنى "كلُّ شيءٍ مطلَقٌ واقعاً ـ أي حرّ ومطلق من الأحكام أي لا نَهْيَ فيه ـ ما لم يَصْدُرْ فيه نَهْيٌ بمعنى ما لم ينزل فيه نَهْيٌ على قلب رسول الله p، فإذا صدر النهيُ إلى رسول الله فليس بمطلَق ، وإن لم يصدر فيه نهيٌ فهو مطلق ، وإن شككنا في الصدور فلا يمكن البناءُ على الإطلاق ، لأنّ الرواية ليست في مقام إعطاء قاعدة عملية ظاهرية" . وبتعبـيرٍ آخر : كلُّ شيءٍ مطلَقٌ واقعاً في عالم الثبوت حتى يتـنـزّل على قلب رسول الله (ص) فح يصيرُ حُكْماًً شرعياً ملزِماً لنا ، فيكون معنى الرواية نفسَ معنى ما رواه الصدوق حينما قال : وخطب أمير المؤمنين tفقال : إنّ اللهَ حَدَّ حدوداً فلا تعتدوها ، وفَرَضَ فرائضَ فلا تـنقِصوها ، وسَكَتَ عن أشياءَ[٦٦٨]لم يَسكت عنها نسياناً فلا تكلَّفوها ، رحمةً مِنَ اللهِ لكم فاقبلوها . قال الفيض الكاشاني في تعليقته على هذه الرواية : "فلا تـتكلَّفوها معناها أنَّ ما لم يَصِلْ إليكم من التكاليف ولم يَثبُت في الشرع فليس عليكم فيه شيءٌ ، فلا تـتكلَّفوه على أنفسكم ، فإنه رحمةٌ من الله لكم ، وفي هذا قيل اسكتوا عما سكت اللهُ عنه" (إنـتهى) ، وفي نهج البلاغة تحت رقم ١١٢٥ : وقال (ع) إنّ الله افترض عليكم الفرائضَ فلا تُضَيِّعوها ، وحَدَّ لكم حدوداً فلا تعتدوها ، ونهاكم عن أشياءَ فلا تـنـتهِكوها ، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسياناً فلا تـتكلَّفوها . المهم هو أنه إنْ سكت الشارعُ المقدّس عن الحكم الفلاني فسوف يكون الرفع ح واقعياً لأنّ المولى تعالى سكت عن هذا الحكم الفلاني ، فيكون ح الحكمُ مرفوعاً واقعاً ، والسكوت عن الحكم يعني أنه لم يصدر الحكمُ فسيكون الحكم مرفوعاً واقعاً ، وأمّا إن لم نعلم بعدم صدور الحكم فلا يمكن إثباتُ الإطلاق الواقعي ولا الحِليّة الواقعية لأنه ح سيكون من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية ، على أنّ كلامنا إنما هو في إثبات الإطلاق الظاهري لا الواقعي .
[٦٦٧] ئل ٢ ب ٣٨ من أبواب النجاسات والأواني ح ٤ ص ١٠٥٤ .
[٦٦٨] كلمة (أشياء) ممنوعةٌ من الصرف ، قال اللهُ تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ] (المائدة ـ ١٠١) .