دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٥٦ - الروايات التي يُفهم منها البراءة
اُجِيزُهُ بالخبرِ الذي رُوِيَ عن الصادق (ع) أنه قال كلُّ شيءٍ مطلَقٌ حتى يَرِدَ فيه نهيٌ[٦٦٥]والنهيُ عن الدعاء بالفارسية في الصلاة غيرُ موجود" (إنـتهى) .
أقول : وقولُه إنه "رُوِيَ عن الصادق" ـ ولم يَقُلْ قال الصادق ـ يعني أنه غيرُ جازم بصدوره ، لكن بما أنه يَستدِلُّ به على صحّة الدعاء بالفارسية فهو يفيدنا أنه يعلم بصدوره ، وخبرُ الثقة فيما يُحتمَلُ الإعتمادُ فيه على الحسّ حجّةٌ ، وهو أقربُ من النجاشي والطوسي إلى عصر النصّ ، فقد يجب أن يُحكَمَ بحجيّة سند رواية كلُّ شيءٍ مطلَقٌ .. ، ورَوَى محمد ابنُ أبي جمهور الأحسائي روايةَ كلُّ شيءٍ مطلَقٌ .. بِعَيْنِها في عوالي اللآلئ ، لكنْ عن النبيّ (ص) .
وأمّا مِن ناحية دَلالتها فدلالتُها على البراءة موقوفةٌ على أن نفَهْم من الرواية معنى كلُّ شيءٍ مطلَقٌ من النهيِ وغيرُ متعلَّق بالنهيِ ظاهراً وبالتالي نحن بريئوا الذمّة ظاهراً حتى يَرِدَ علينا فيه نهيٌ ، فإذا وردنا نهيٌ ـ أو وجوبٌ لوحدة المناط بـينهما ـ فقد تعلّق بذمّتـنا وصار حُكْماً شرعياً ، أي أنّ كلّ شيءٍ مطلَقٌ ظاهراً بمعنى أنه لا يكون حكماً مُلْزِماً لنا حتى يَرِدَ علينا فيه نهيٌ . وبهذا القول قال الشيخ الأعظم الأنصاري وغيرُه وهو الحقُّ . ومرادُنا من مطلَق هو أنه مطلَق ومباحٌ ظاهراً ، لا مطلق واقعاً ، وذلك لأنه يجب أن يكون الحكمُ قبل نزوله على قلب رسول الله مشخَّصاً ومعلوماً ـ وهو ما يسمَّى بالإعتبار والتصوُّر ـ ثم يَنْزِلُ على رسول الله (ص) . وبتعبـيرٍ آخر ، لا يمكن أن تكون الموضوعاتُ في علم الباري تعالى قبل نزولها على قلب رسول الله بلا حُكْمٍ ، فالظلمُ حرامٌ في عِلمِ الباري تعالى حتى قبل نزوله على قلب رسول الله ، والعدلُ واجبٌ في علم الباري تعالى حتى قبل نزول الحكمِ على قلب رسول الله (ص) ... ولا يُتصوَّرُ الإطلاقُ ـ بمعنى عدم اتّصاف الموضوع بحكمٍ ما ـ حتى منذ الأزل . ومرادُنا مِن "حتى يَرِدَ علينا" أي على عموم العلماء ، لا على خصوص بعض الأصحاب في زمن النبيّ (ص) من دون أن يَصِلَنا ، إذ أيُّ فائدةٍ لورود الحكم على هؤلاء الأصحاب الذي ماتوا قديماً ولم يصلنا الحكمُ الشرعي ؟! ومرادنا من كلمة فيه ـ في الرواية ـ هو حتى يَرِدَ فيه النهيُ بعنوانه ـ أي بعنوان أنه شرب التتن ـ لا بعنوان أنه مشتبَهُ الحكمِ ، فيكون معنى الحديث نفسَ معنى ما ورد في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال : كلّ شيء فيه حلالٌ وحرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرامَ منه بعينه فـتـدعه [٦٦٦] ،
[٦٦٥] مَن لا يَحْضُرُهُ الفقيهُ ح ٩٣٧ ص ٣١٧ . وذَكَرَه في ئل ٤ ب ١٩ من أبواب القنوت ح ٤ ص ٩١٧ . ورواها في العوالي/ باب الحجّ ح ٦٠ ص ١٦٦ .
[٦٦٦] ئل ١٢ ب ٤ من أبواب ما يُكـتسب به ح ١ ص ٥٩ .