دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٨٢ - مقدّمة البحث
نعم ، لا يثبت للعامّي تمامُ الوظائفِ المقرّرة للمجتهد الخبـير في مجالات الظنّ والشكّ ، وإنما يجب عليه الرجوع إلى المجتهد مطلقاً سواء في الأحكام الناشئة للمجتهد من الأدلّة المحرزة أم من الاُصول العملية وذلك من باب رجوع الجاهل إلى العالِم .
· وهنا بحثان :
١ ـ كيف يمكن جواز رجوع العامّي للمجتهد في الأحكام الناشئة من الاُصول العملية ؟ مع أنّ نفس المجتهد يعترف بأنه يجهل بالحكم الواقعي أو حتى قد يجهل بوجود أمارة معتبرة في ذلك ؟!
والجواب واضح فإنّ الشارع المقدّس يعتبر المجتهدَ عالماً ، وبالتالي يعتبر العامّي مقلّداً للعالم حتى لو رجع المجتهد إلى الاُصول العملية ، لاحِظْ مثلاً قولَه تعالى [فاسألوا أهلَ الذِّكْرِ إن كنـتم لا تعلمون] فتصير بسؤالك لأهل الذكر عالماً ، حتى ولو أفتاك على طبق الأحكام الظاهرية كما في الكثير من الإفتاءات ، ولاحِظْ قولَه [فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفةٌ ليتـفقَّهُوا في الدِّين وليُنذِروا قومَهم إذا رجَعُوا إليهم لعلهم يحذرون] أي أنّ العالم الديني إذا تـفقّه صار فقيهاً ، ولاحِظْ ما رواه أبو خديجة في روايته المشهورة عن الصادق (ع) قال : إياكم ان يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعرف شيئاً من قضايانا ، فاجعلوه بـينكم فإنّي جعلته قاضياً فتحاكموا اليه وصحيحة عمر بن حنظلة الواردة في الترجيحات فقد روى عن الصادق (ع) أنه قال : .. اُنظروا إلى مَن كان منكم ممّن قد روى حديثـنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حكماً ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما بحكم الله استخف وعلينا رَدَّ ، والرادُّ علينا رادٌّ على الله ، وهو على حَدّ الشرك بالله عز وجل ، ودلالتُهما على التقليد واضحة وذلك لوحدة المناط ، فإنّ القاضي كثيراً ما أو في أكثر الأحيان يعتمد على الأحكام الظاهرية ، وهو مجتهد بوضوح ، وهنا حَكَمَ على طبق اجتهاده وما توصّل إليه ولو عِبْرَ الأحكام الظاهرية ، وليس الحكمُ والقضاء إلاّ تطبـيقَ الفتوى على المشكلة الخارجية .
وعندنا جواب ثانٍ وهو أنّ المجتهد عبارة عن وكيل أو نائب عن المقلّدين في معرفة الوظيفة العملية مطلقاً ، وهذه نقطة جديدة مهمّة وأساسٌ آخر لجواز التقليد ، فكأنّ فحْصَ المجتهدِ فحْصُ العامّي ، وسعيَه سعيُه .. وهذه الوكالةُ مبنى آخر في جواز التقليد ، وهو مبنى مغاير للمبنى المعروف من أنّ التقليد هو عبارة عن رجوع الجاهل إلى العالم ليُشكَلَ علينا بإشكال (عدم إمكان رجوع العامّي