دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٢ - ٣ دلالة الإقتضاء
٢ دلالة الإشارة
وهي كما لو ورد في رواية وجوبُ أن يَغْسِل المتوضّئُ وجهَه ويديه أكثر من الحدود المرسومة شرعاً من باب الإحتياط ، مع ما يقتضي ذلك من وصول الماء غالباً إلى الناصية ، مع عدم التـنبـيه على وجوب تجفيف مواضع المسح ، فهذه الرواية ـ مثلاً ـ فيها إشارةٌ إلى عدم وجوب تجفيف مواضع المسح .
٣ دلالة الإقتضاء
قد تَسمعُ جملةً واضحةَ المعنى ، لكنك بالتأمّل في اللفظ تلاحظها ناقصةَ اللفظ ، ولكن المتكلّم العاقلَ قد حَذَفَ منها بعضَ الألفاظِ لاستدعاء البلاغةِ والفصاحة ذلك ، مثالُها موثّقةُ زرارةَ "لا ضرر ولا ضرار"[٥٢] ، فإنّ المعنى واضح جدّاً وهو "لا أحكام ضرريّةً في الإسلام" ، فحَذَفَ النبي (ص) كلمةَ "أحكام" لشدّة وضوحها ولاقتضاء البلاغة والفصاحة ذلك ، وإلاّ فلا يمكن إرادة معنى (لا يوجد ضرر على النفس ولا ضرار على الغير في الإسلام) فإنه يوجد ضرر خارجي وإضرار بالنفس وبالغير ، ومثلها قوله w رُفِعَ عن أمّتي ما لا يَعلمون وما اضطُرّوا إليه ... [٥٣] فإنّ العلماءَ يعرفون أنّ المراد هو رَفْعُ الحكمِ التـنجيزي ، لا رفع أصل التشريع من اللوح المحفوظ ولا رفع الفعليّة ، وكذا قولُه (ع) لا صلاة لمن جاره المسجدُ إلا في المسجد ، فإنّ العلماء يعرفون أنّ المراد هو "لا صلاة كاملةً لجار المسجد إلاّ في المسجد" وليس المراد هو نفيُ أصل الصلاة وأنّ صلاته باطلة ، ومثلُها قولُه تعالى [واسألِ القريةَ] فإنَّ صحته عقلاً تـتوقف على تـقدير لفظة "أهل" فيكون من باب حذف المضاف ، وكذا قولهم "أَعْتـق عبدَك عَنّي على مئة دينار" فإنّ صحة هذا الكلام ـ شرعاً ـ تـتوقف على طلب تمليكه له أوّلاً بمئة دينار ، لأنه "لا عِتـق إلا في ملك" فيكون التـقدير : مَلِّكْني العبدَ بمئةِ دينارٍ ثم أعتـقهُ عنّي ، ومثله أيضاً قول الشاعر : نحن بما عندنا وأنت بما * * عندك راضٍ والرأي مختلِفُ ، فإنّ صحته لغة تـتوقف على تـقدير (راضون) لأنّ المعنى المراد هو"نحن بما عندنا
[٥٢] ئل ١٧ ب ١٢ من أبواب إحياء الموات .
[٥٣] ئل ١١ ب ٥٦ من أبواب جهاد النفس ح ١ ص ٢٩٥ .