دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٣٠ - الموقفُ الشرعي في حال تعارض الأمارتين
المفيدة للإطمئـنان والوثوق بصدور الرواية وبأنها صادرة لبـيان الواقع ، ثم الترجيحَ بالكتاب والسُّنَّة ، ث ُمّ بمخالفة العامّة ، إذن فالمقبولةُ قد تقيِّدُ إطلاقَ صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، بمعنى أنها قد تدلّ على أن الإنـتهاء إلى الترجيح بكتاب الله ومخالفة العامّة يكون بعد عدمِ وجود أرجحيّة بلحاظ صفات الحاكم وبعد عدم وجود أرجحيّة بلحاظ شهرة الرواية . والنـتيجةُ العمليّة للجمع بين الروايتين هو : (١) الترجيح بصفات الحاكم ، (٢) الترجيح بالشهرة التي تـفيدنا الإطمئـنان والوثوق ، (٣) مخالفة العامّة .
* ولعلّك لاحظتَ أنّ الترجيح الأوّل يفيد الظنّ القويّ بأقربـية حكم الأعدل والأفقه إلى الواقع ، ولكن في الترجيح بالأشهريّة نلاحظ أنّ الأشهر هو المصيب للواقع دون الشاذّ النادر ، وهذا يعني أنّ الأشهر لأنه هو المصيب فهو الحجّة ، وأنّ الآخر هو غير حجّة ، وأمّا المرجّح الثالث ـ وهو الترجيح بمخالفة العامّة ـ فيظهر من قوله (ع) ما خالف العامةَ فيه الرشادُ أنه أيضاً هو تقديمٌ للحجّة في مقابل الغير حجّة ، لأنّ خلاف الرشاد هو الضلال .
*ثم إنه يمكن القولُ بأنّه يُفهم من خلال الرواية أنّ الحاكِمَ ـ خاصّةً في عصرهم iـ ليس إلاّ راوياً ومطبِّقاً للرواية على المورد ، كما هو ظاهر الرواية ، وبالتالي المناطُ بين الحاكم وبين الراوي واحد ، أو أنّ هذا عَينُ ذاك ، وخاصّةً أنّ الرواية تـفيدنا حكماً كلّيّاً ، وهو أهمّ من الحكم الجزئي الذي يكون في دعوى خارجيّة جزئيّة ، فبالأولويّة يجب أن يرجَّح بصفات الرواة في الروايتين المتعارضتين أيضاً . فإذا قلنا بهذا فهذا يعني أنّ الترجيح هو بصفات رواة الرواية ، وذلك لعدم الفرق بين الراوي الأخير ـ وهو الحاكم ـ وبين سائر أفراد رواة السند .
مثال عملي على ذلك :
روى في التهذيب قال : أحمد بن محمد عن أبـيه عن عبد الله بن المغيرة عن عبد الله بن مسكان قال حدثـني علي بن أبي حمزة (البطائـني) أنّ رجلاً سأل أبا عبد الله (ع) وأنا عنده عن الرجل يتقلدُ السيف ويصلِّي فيه ؟ قال : نعم ، فقال الرجل : إنّ فيه الكيمخت ! قال : وما الكيمخت ؟ قال : جلود دواب منه ما يكون ذكياً ، ومنه ما يكون مَيتة ، فقال : ما علمتَ أنّه مَيتةٌ فلا تُصَلِّ فيه ، الظاهر قوياً أنّه البطائـني الثقة عندي وليس الثمالي الثقة بالإجماع ، وذلك لكون روايات البطائـني أكثر من خمسمئة رواية وروايات الثمالي أقلّ من خمس روايات ، فينصرف هذا الإسم