دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٨ - (المرحلة الرابعة من سنة ١٠٣١ هــ وإلى زمان الشهيد الصدر)
بقوله "لأنّ الأوامر بالقنوت مطلقةٌ عامةٌ ولم يَرِد نهيٌ عن القنوت بالفارسية يُخرِجُه من إطلاقها" . وثالثها : التخصيص بما ليس من نفس الأحكام الشرعية ، وإن كان من موضوعاتها ومتعلقاتها ، كما إذا شُك في جوائز الظالم أنها مغصوبة أم لا . ورابعاً : أنّ النهي يشمل النهي العام والخاص ، والنهي العام بلغنا وهو النهي عن ارتكاب الشبهات في نفس الأحكام والأمرُ بالتوقف والإحتياط فيها وفي كل ما لا نص فيه . وخامسها : أنْ يكونَ مخصوصاً بما قبل كمال الشريعة وتمامها ، فأمّا بعد ذلك فلم يـَبقَ شيءٌ على حكم البراءة الأصيلة . وسادسها : أن يكون مخصوصاً بمن لم تبلغه أحاديث النهي عن ارتكاب الشبهات والأمرِ بالإحتياط لما مر ، ولاستحالة تكليف الغافل عقلاً ونقلاً . وسابعها : أن يكون مخصوصاً بما لا يَحتمِل التحريمَ ، بل عُلِمَتْ إباحتُه وحَصَلَ الشكُّ في وجوبه ، فهو مطلق حتى يرد فيه نهيٌ عن تركه ، لأنّ المستفاد من الأحاديث هنا عدمُ وجوب الإحتياط بمجرد احتمال الوجوب حيث لا يُحتمَلُ التحريمُ . وثامنها : أن يكون مخصوصاً بالأشياء المهمة التي تعم بها البلوى ويعلم أنه لو كان فيها حكم مخالف للأصل لَنُقِلَ كما يفهم من قول عليّ (ع) "واعلم يا بنيّ أنه لو كان إله آخر لأتـتك رُسلُه ، ولرأيتَ آثار مملكته" ، وقد صرح بنحو ذلك المحقق في المعتبر وغيره" (إنـتهى الوسائل) .
ثم قال تعليقاً على حديث (٣٣٤٧٥) ٢٨ "ما حجب اللهُ عِلمَهُ عن العباد فهو موضوع عنهم" . أقول : هذا مخصوص بالوجوب وأنه لا يجب الإحتياطُ بمجرد احتمال الوجوب بخلاف الشك في التحريم فيجب الإحتياط ، ولو وجب الإحتياطُ في المقامين لزم تكليف ما لا يطاق ، إذ كثيرٌ من الأشياء يَحتمل الوجوبَ والتحريمَ ، ولا خلاف في نفي الوجوب في مقام الشك في الوجوب إلا إذا علمنا اشتغالَ ذمتـنا بعبادةٍ معيَّنة وحصل الشك بين فردَين كالقصر والتمام ، والظهر والجمعة ، وجزاءٍ واحدٍ للصيد أو اثـنين ونحو ذلك ، فيجب الجمعُ بين العبادتين لتحريم تركهما معاً قطعاً للنص ، وتحريم الجزم بوجوب أحدهما بعينه عملاً بأحاديث الإحتياط ، ويستـثـنَى من ذلك ما لو وجب وطؤُ الزوجة واشتُبِهت بأجنبـية ، أو قتْلُ شخصٍ حدّاً أو قِصاصاً واشتُبِهَ بآخَرَ محترمٍ ، للقطع بتحريم وطءِ الأجنبـية مع الإشتباه ، وكذا قتْلِ المسلم ، بخلاف تحريمِ الجمع بين العبادتين فإنه مخصوص بغير صورة الإشتباه ، فإنّ النصوص على أمثالها كثيرة ، كاشتباه القبلة والفائـتة والثوبين وغير ذلك ، وليس بقياس بل عملٌ بعموم أحاديث الإحتياط ، على أنّ هذا الحديثَ لا ينافي وجوبَ الإحتياط والتوقُّف ، لحصول العلم بهما بالنص المتواتر كما مضى ويأتي ، وقولُه "موضوع" قرينةٌ ظاهرةٌ على إرادة الشك في وجوب فعل وجودي لا في تحريمه ، مضافاً إلى النص في المقامين .