دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٠٧ - المسألة الرابعة الحقيقة الشرعيّة
إلى المعنى الشرعي في زمان نزول هذه الآية لكون النجاسة محلّ ابتلاء يومي ، أي أنّه كان قد مرّ على الإسلام ٢٢ سنة ، إذن فقد استُعمِلت ألفاظُ طهارة ونجاسة حتى زمان نزول هذه الآية ملايـين المرّات ، ولذلك نقول إنه كان قد حصل وضْعٌ جديدٌ لكلمة [نجس] وهي النجاسة الماديّة عند نزول هذه الآية الكريمة .
إذن هل استُعمِلت هذه الكلمةُ ـ في هذه الآية الكريمة ـ بمعناها الشرعي أم بمعناها اللغوي الجاهلي ؟ طبعاً بَعد عِلْمِنا بعدم هجران المعنى اللغوي الجاهلي .
اُفرُضْ أنـنا قلنا لا ندري بالمعنى المراد ـ أي مع غضّ النظر عن سياق الآية ـ فح هل يصحّ أن ندّعي استعمالَ كلمةِ [نَجَس] بالمعنى اللغوي الجاهلي أو هل يصحّ أن ندّعي أنها استُعمِلت بالمعنى الشرعي المستحدَث ؟
طبعاً لا ترجيح بلا مرجّح ، ولذلك يجب أن نقول بإجمال المعنى ، فنرجع ح إلى قاعدة الطهارة بلا شكّ ، ونقتصر في النجاسة على المعنويّة فقط .
* ثم لو فرضنا أنـنا شككنا في بقاء معنى كلمةٍ استعملها القرآنُ الكريم أو رسول الله (ص) ـ مثلاً ـ على معناها القديم ، فهل يصحّ استصحابُ بقائها على المعنى الجاهلي القديم أم لا ؟
الجواب هو أنه لا يمكن لنا ـ شرعاً ـ أن نستصحب بقاءَها على معناها اللُغَوي الجاهلي ـ بعد معلوميّة عدم استصحاب العقلاء للمعنى الجاهلي القديم لأنهم لا يعملون إلاّ بما يطمئـنون به ـ وذلك لأنك إنِ استصحبتَ بقاءَها على معناها الجاهلي فسوف يترتّب على ذلك ادّعاءُ أنّ المراد الإستعمالي من الآية الكريمة أو المراد الإستعمالي لرسول الله (ص) هو المعنى القديم ، ثم سوف يترتّب على ذلك ادّعاءُ أنّ المراد الجدّي من الآية الكريمة أو المراد الجدّي لرسول الله (ص) هو المعنى القديم ، ثم سوف تُرَتِّبُ على ذلك ادّعاءَ إرادةِ إفادة الحكم الفلاني المترتّب على معرفة المراد الجدّي ، وهذه الإدّعاءات هي وسائطُ عقليّة ، وليست آثاراً شرعيَّةً ، لذلك سيكون هذا الإستصحاب أصلاً مثبتاً .
بتوضيح أكثر : أنت حينما تستصحبُ بقاءَ طهارةِ الماء ، فإنه يترتّب على طهارة الماءِ جوازُ شربه مباشرةً ، أمّا لو استصحبتَ بقاءَ المعنى الجاهلي إلى زمان نزول الآية الكريمة السابقة فلن يَترتّبَ على هذا نجاسةُ الكافر أو جوازُ أكله أو شربه ، وإنما سوف تـقول : بناءً على استصحاب بقاء المعنى اللغوي سوف يَترتّب أنّ المراد الإستعمالي من النجاسة هو النجاسة المعنويّة ، ثم ـ بعد التعمّل في قرائن الحال وفي سائر الأدلّة ـ سوف تدّعي أنّ المراد الجدّي من النجاسة هو النجاسة المعنويّة ، ثم يترتّب على ادّعاء إرادة النجاسة المعنويّةِ نجاسةُ المشركين .