دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٠٨ - المسألة الرابعة الحقيقة الشرعيّة
ولذلك يجب عليك ـ بعد جهلك بمعنى [نَجَس] ـ أن ترجع إلى الأصول العمليّة وهي الطهارة الماديّة ، وتـقتصر في النجاسة على المعنويّة فقط[٥٩].
*لكن هنا ملاحظة وهي أنّ المولى لا يمكن ـ مع وجود عدّة معاني لكلمةٍ ـ أن يُجْمِلَ الآية تماماً ، فهذا مخالِفٌ لغرض المولى ومخالفٌ لقوله تعالى بأنه أنزل القرآن هدى للناس ونور وبـينات من الهدى والفرقان وأنه تبـيانٌ لكّل شيء ، بل ومخالِفٌ للمنهج العقلائي وهو أنه يُنْزِلُ الآياتِ المباركة لِيُفْهِمَ الناسَ ولِيُخْرِجَهم من الظلمات إلى النور ومع ذلك يكلّمُهم بطريقةٍ لا يَفهمونها !! فهذا سوف يكون ـ ولو عند الكفّار والمتربّصين بالإسلام ـ نقطةَ إشكالٍ كبـيرة على القرآن ، ولذلك نستبعد وجود مثال على ذلك . أمّا قوله تعالى [وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ] [٦٠]فالمراد منها هو أنها غير معلومة الحقيقة تماماً . يعني ـ مثلاً ـ هم يَفهمون معنى كلمة (صلاة) لُغَةً ، لكنْ لا يعرفون كلّ تـفاصيلها . مثال آخر : قوله تعالى [ وَالسَّارِقُوَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ] [٦١] ، كلمةُ (يَد) تُطلَقُ على اليد إلى الترقوة ، وعلى اليد إلى المرافق ، وإلى مفصل الكفّ ، وعلى الأصابع الأربعة ، فمعنى (يد) معلوم ، لكن لمعرفة المراد الجدّي بالتـفصيل وبالدقّة يجب الرجوع إلى النبيّ والأئمّة i.
أمّا كلمات (الصلاة) و (الصيام) و (الزكاة) و (الحجّ) و (البـيع) و (الإجارة) و (النكاح) و (الطلاق) ونحوها فلا شكّ أنها كانت مستعملةً في أيام الجاهليّة بدليل أنّ الله تعالى أنزل هذا القرآن باللغة العربـية ، فإذن هو استعملها في المعاني التي يعرفونها ، نعم لا مشكلة في التصرّف بـبعض هذه المركّبات . فحينما كان الله تعالى يقول [ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَمَا كنت وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِوَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَياًّ (٣١)] [٦٢] فالعرب كانوا يفهمون المعاني اللفظيّة لهذه الكلمات بلا شكّ لأنه كان يكلّمهم بلغتهم وإلاّ لاستشكلوا عليه بعدم فَهْمِ ما يقول ، خاصّةً إذا كان اللفظ كثير الإستعمال عند المسلمين كالصلاة والصيام . وقد أطلقوا على هذه المعنى بـ (الحقيقة الشرعيّة) .
[٥٩] لا سيّما وأنّ سياق الآية يدلّ بوضوح على إرادة النجاسة المعنويّة ، فإنه يجوز إدخال النجاسات إلى المسجد الحرام ما لم يكن هتْكاً له ، كما أنه لا دخْل لمنْعِهم من دخول المسجد الحرام بتوهّم وقوعِهم بمأزق اقـتـصادي .
[٦٠] آل عمران ـ ٧ .
[٦١] المائدة ـ ٣٨ .
[٦٢] سورة مريم .