دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥١٧ - الكلامُ في حجيّة إخبار الثـقة في الموضوعات
إذن ، الإنسان المسلم المؤمن قد ينحرف بسبب الأموال الطائلة التي تكون بعهدته من أموال الخمس والزكاة ، ويغلبُ حبّ المالِ دِينَه ، فإنْ كان صامداً في ذلك فهو في نقل الأخبار أصمدُ وأَوثق . ولذلك نقول بوجود ملازمة قطعية بين الأمانة والوثاقة لأنّ منشأهما واحد ، وهو الوازع الديني والرادع النفسي ، بل مَن كان أميناً في الأموال الطائلة التي يسأل عنها الوزيرُ الأعظم علي بن يقطين ، فهو قطعاً أمينٌ فيما لا يهمّه أمْرُه كثيراً كالأخبار . وكذا الأمْرُ في الرواية التالية .
٣ ـ وفي الكافي أيضاً عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن الحسن بن محبوب عن صالح بن رزين (مجهول) عن شهاب بن عبد ربه (ثقة) ـ في حديث ـ قال قلت لأبي عبد الله (ع) : إني إذا وجبت زكاتي أخرجتها فأدفع منها إلى مَن أثق به يقسمها ؟ قال : نعم ، لا بأس بذلك ، أما إنّه أحدُ المعطِين [٥١٠]، قد تصحّح من باب أنّ راويها أحد أصحاب الإجماع وهو ابن محبوب .
٤ ـ وروى في التهذيب بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن عيسى بن عبـيد عن (الفقيه) محمد بن أبي عمير عن هشام بن سالم (ثقة ثقة) عن أبي عبد الله (ع) في رجل وكَّلَ آخرَ على وكالةٍ في إمضاء أمْرٍ من الأمور واَشهَدَ له بذلك شاهدين ، فقام الوكيلُ فخرج لإمضاء الأمر ، فقال ـ أي الموكِّلُ ـ اشهدوا أني قد عزلت فلاناً عن الوكالة ! فقال : إنْ كان الوكيل أمضَى الأمْرَ الذي وُكِّلَ فيه قبل العزل عن الوكالة فإنّ الأمْرَ واقِعٌ ماضٍ على إمضاء الوكيل ، كره الموكِّلُ أم رَضِيَ ، قلتُ : فإنّ الوكيلَ أمضَى الأمْرَ قبْل أن يَعلم بالعزل أو يَـبْلُغَهُ أنه قد عُزِلَ عن الوكالة فالأمْرُ على ما أمضاه ؟ قال : نعم ، قلت له : فإنْ بَلَغَهُ العزْلُ قبل أن يُمْضِيَ الأمْرَ ثم ذهب حتى أمضاه لم يكن ذلك بشيء ؟ قال : نعم ، إنّ الوكيل إذا وُكِّلَ ثم قام عن المجلس فأمْرُهُ ماضٍ أبداً ، والوكالةُ ثابتةٌ حتى يَـبْلُغَهُ العزْلُ عن الوكالة ، بِثِقَةٍ يـبلِّغُه أو يُشافَه (يشافهُه ـ خ) بالعزْل عن الوكالة [٥١١] صحيحة السند ، وذلك بـبـيان عدم وجود فرق بين أن يـبلّغه بالعزل أو بأمر آخر ، إذ لا ميزة في العزل ، على أنّ تقديمَ خبرِ الثقة على العِلْم من خلال المشافهة تـنبـيه على حجيّة خبر الثقة .
أقول : في التقريب المذكورِ تأمّلٌ واضح ، وذلك لاحتمال وجود فرق بين قضيّة العزل وبين غيره ، إذ أنّ العقلاء ـ حتى البسطاء منهم ـ يَمنعون الوكيلَ عن التصرّف بالوكالة طالما جاءه ثقةٌ بالعزل ، ولو من
[٥١٠] المصدر السابق ح ٤ ص ١٩٤ .
[٥١١] ئل ١٣ ب ٢ من كتاب الوكالة ح ١ ص ٢٨٦ .