دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٧٠ - ١ ـ الإستدلال بالكـتاب الكريم
حصول العلم دائماً مِن نقْلِ المبلِّغِ الفتاوى للناس ، لأنه في أغلب الأحيان يكون كلّ مبلّغ في مكان لوحده في القرية أو في المدينة حين التعليم .
فإذا عرفتَ معنى [وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ] الذي هو الدعوةُ والهدايةُ تعرفُ أنّ المولى تعالى نزّل قولَ خبرِ المؤمن منزلة العلم ـ على وجه ـ لأنه يقول بما معناه "وليعلّموا قومَهم" فاحتمالُ إصابتِه للحكم الواقعي نزّله المولى تعالى منزلة العلم بالإصابة ، أو قُلْ "وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ بالأحكام فيصيروا منذَرين عالمين بالأحكام تعبّداً" رغم اعتقادنا بأنه لن يصيـب الواقع دائماً ، وذلك لعلمنا بوجود تعارض بين بعض الروايات الصحيحة .
* و [لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون] تـفيد محبوبـية الحَذَر ، فإنّ ربّنا يرجو من عبـيده أن يطيعوه لمصلحتهم ، رجاءَ محبوبـية ، لا رجاء توسّل واستعطاف ، فرَبُّنا تعالى لا يجبر عبـيدَه على الطاعة عنوةً ، وإنما يحبّ ويتمنّى مِنْ عبـيده الحَذَر ، ولذلك نستـفيد من هذا الرجاء الربوبـي محبوبـيةَ الحذَرِ ومطلوبـيتَه ، إذن كلمة [لعلَّهُمْ] مستعملةٌ في معناها الحقيقي تماماً . فإنّ الباري تعالى حينما يُرسل الرسلَ يَتمنّى لعبـيده التوفيقَ لنيل مراضيه ويرجو لهم الهدايةَ وكلّ خير ، وليس في هذا أدنى نقص في ساحة عظمة المولى جلّ وعلا ، بل هذا عين الشفقة والرحمة والرأفة من الله اتجاه عبـيده . ولذلك نقول إنّ قولَه تعالى [لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ إشارةٌ إلى اختيار الإنسان ، وأنّ أمْرَهُ ليس مفروغاً منه ، وهذا يعطي أمَلاً عند الإنسان في احتمال حذَرِهِ وفي احتمال سلوكِ طريق الخير والصلاح كما صرّح أئمتـنا (ع) بذلك في عدة روايات صحيحة .
لكنْ قولُه تعالى [لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون] لا يفيد أنّ خبر الثقة ـ الذي لا يفيد عِلْماً ـ هو حجّة ، لأنّ الحذر يشمل الإحتياطَ العقلي أيضاً ، فلعلّ المراد (لعلّهم يحتاطون في الأحكام الإلزامية التي يسمعونها من العالِم الديني) كما يحتاط الشخصُ أنْ يَمشِيَ في الطريق الفلانية إذا احتمل وجودَ خطرٍ فيها ، حَذَراً من أن يقع في قبضة قطّاع الطرق مثلاً أو الوحوش . فالحذرُ والإحتياط العقلي واجب ، ولكن هذا لا يعني إفادةَ حجيّةِ خبر الثقة .
* وهنا تـنبـيهات :
الأوّل : لعلّك لاحظت أنّ الآية تـفيدنا لزوم الأخذ بأخبار المبلِغ كأنه يـبلّغُ نفسَ الحكم الواقعي تماماً ، مع العلم بأنّ المتـفقّه لا يتـفقّه فقط بالأحكام الواقعية ، وإنما يتـفقّه بالأحكام الظاهرية أيضاً ، كالناشئة