دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٦٩ - ١ ـ الإستدلال بالكـتاب الكريم
خاصةً لكبار السنّ والمرضى والصغار ـ ، وعدمُ حجيّة قول المبلّغ الثقةِ سوف يوقع المتديّنين في الحرج والضرر ، لأنّ قوله لن يفيد العلم دائماً .
فأنت إذا اتّصلت بخادمك وقلتَ له "إنّي بعثت لك ولدي لإخبارك باُمور" فهذا يعني أنّ تبليغ ولدك للخادم حجّة ، أي يجب قبوله ، وإلاّ للغا قولك لخادمك ، وإن طلب منك أهلُ قريةٍ إرسالَ مدرِّسٍ لمادّة الفيزياء مثلاً لتدريس أولادهم فبعثت لهم مدرّساً متخصّصاً بالفيزياء ، فهذا يعني أن تعليمه حجّة عليهم ، وهذا أمر بديهي .
* والثاني :قولُه سبحانه [وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ] يفيد السبب الثاني في النفر الكفائي وهو ـ إضافةً إلى السبب الأوّل والذي هو استـفادة نفس الدارس للعلوم الدينية ـ إنذارُ سائرِ الفرقة التي خرج منها . والمراد من (الإنذار) هو الدعوة ، قال الله تعالى [إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبين (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللهَوَاتَّقُوهُوَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْوَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنـتمْ تَعْلَمُونَ (٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاًوَنَهَاراً (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْوَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْوَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً (٧)] [٤٣١] ، فاستعمَلَ كلمةَ (الدعوة) و (الدعاء) محلّ كلمة (الإنذار) ممّا يعني أنّ معنى هذه الكلمات واحد ، وقال الله تعالى [يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)][٤٣٢] أي أن اَعلِموا أنه لا إله إلاّ الله .. ، وكقوله سبحانه [وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ، إِنَّمَا أنت مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)][٤٣٣] فاستعمل كلمة (هادي) بعد [مُنْذِر] في نفس الموضع والوظيفة للإشارة إلى أنّ المراد من (المنذر) هو (الهادي) تماماً ، أي كأنما قال إنما أنت منذر ولكلّ قوم منذر ، أو إنما أنت هاد ولكلّ قوم هاد ، ومثلُها قولُه [بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيـب (٢)][٤٣٤] أي داعي وهادي .
المهم ، هذا وجه آخر يفيد حجيّة خبر العالِم الديني الثقة ، وإلاّ للغت الدعوة والهداية إلى دِين الله ، ولعدم إمكان الإحتياط التامّ والدائم من قبل المتديّنين ، لحصول الحرج والضرر عليهم ، وذلك لعدم
[٤٣١] سورة نوح .
[٤٣٢] سورة النحل .
[٤٣٣] سورة الرعد .
[٤٣٤] سورة ق .