دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤١٧ - * وأمّا في النقطة الثانية ـ وهي في الردّ على الأخباريـين ـ فالكلام فيها يقع في جهتين
لا بل من العجيـب وقوعُهم بالتـناقض في أنفسهم ، فهم يشكّكون كثيراً في أحكام العقل ، وكأنهم يريدون أن يحتاطوا كثيراً في دين الله جلّ وعلا ، مع أنهم يقولون بتواتر تمام روايات وسائل الشيعة ! بل وجزموا بتواترها إلى حدٍّ يستحيل معه الخطأ ! أليس هذا تـناقضاً واضحاً ؟!
والأعجب من كلّ هذا أنهم يعتقدون أنّ الاُصوليّ يأخذ بالظنّ العقلي ، بل ويناقشونه على هذا الأساس ! ولا يعرفون أنّ الأصولي لا يقول بحجيّة الظنون العقلية من الأساس ! أليس هذا عجيـباً منهم ؟!
ولا أظنّ أنّ أخبارياً يلتـفت إلى ما ذكرناه إلاّ ويُسَلِّمُ بما قلناه .
نعم ، الاُصوليّ لا يدّعي العصمةَ لنفسه ، وهو يعلم أنّ العقل قد يخطئ أحياناً لأكثر من سبب ولا يحيط غالباً بكامل جهات ملاكات الأحكام .. ولذلك تراه لا يحكم إن لم يتّضح الحكمُ الشرعي له بنحو القطع والجزم ، كما وأنّ الاُصولي يعرف كم يقعُ في العالَم من اعتقادات فاسدة مصدرُها إمّا التقصير في البحث والتمحيص والغفلةُ عن بعض المقدّمات والإشتباهُ فيها ، وإمّا القصور أي عدم القدرة على الوصول إلى الحقّ ، وإمّا شهواتُ النفس من حبّ السلطة وحبّ المال وو ... ولكن هذا لا يمنع من بقاء البديهي على بديهيّته .. وهذا لا يوجب الحكمَ بـبطلان أحكام العقل القطعية .. ونِعْمَ القولُ قولُ سيدِنا الشهيدحينما قال بأنّ "الخطأ في التطبـيق يَقِلُّ بطول الممارسة وبتمرين الفكر وتقوية الذكاء ، وفي أي فَنٍّ مارَسَ العقلُ وطال مِرانُه فيه قلَّت أخطاؤه" (إنـتهى) .
وعلى أيّ حال لا أظنّ أنّ ما يقطع به الإنسان ـ في مجال الأحكام الشرعية ـ عن طريق العقل إلاّ أقلّ القليل .
يقول الحرّ العاملي في كتابه (الفوائد الطوسية)[٣٥٩] : ".. فإذا خُصَّتِ الحجيّةُ بالدليل العقلي القطعي لم يـبقَ لها فائدةٌ ، لأن هذا القسم ـ يقصد الدليل العقلي القطعي ـ غير موجود في الفروع قطعاً ، وعلى تقدير وجوده في غيرها ـ يقصد كالعقائد ـ مثلَ بطلان تكليف ما لا يطاق فهو مسَلَّم ، لكن هناك دليل نقلي متواتر قطعاً على بطلان التكليف بما لا يطاق ، والإستقراءُ شاهدٌ بذلك" (إنـتهى) .
المهم هو أنّ الدليل العقلي ـ ويعني به الاُصوليون دائماً خصوص القطعي ـ حجّة في كلّ الاُمور ، نعم من الطبـيعي على المؤمن المتديّن أن لا يعتمد على عقله في فروع الدين خوفاً من أن يقع في خلاف الواقع ، فعليه أن يراجع الآيات والروايات أوّلاً ثم يرجع في تحليلاته إلى العقل ليـبقى على جادّة الحقّ ، والخلاصة هي أن يعمل بالإحتياط ما استطاع في دينه .
[٣٥٩] فائدة ٧٩ ص ٣٥٢ .