دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٣٣ - والثانية هل بحث التجرّي هو مسألة كلامية أو هو مسألة اُصولية أو فـقهية ؟
فالمهمّ إذن ـ ونحن في علم الاُصول ـ أنّ نبحث عن حكم التجرّي وحكم الفعل المتجرّى به بالمعنى الاُصولي فقط ، وهل أنهما حرام شرعاً ـ لتكون المسألةُ اُصوليّةً ـ أو أنهما فقط قبـيحان ، ليكون البحثُ كلاميّاً فقط .
والثانية : هل بحث التجرّي هو مسألة كلامية أو هو مسألة اُصولية أو فـقهية ؟
الجواب : لا شكّ أنهم ذكروا بحث التجرّي هنا بمناسبة بحوث القطع فقط ، وإن كان لا شكّ في كون هذا البحث ـ ومثلُه بحثُ الإنقياد ـ من حيث كون الغرض منه معرفةَ ثبوت استحقاق العقاب وعدمه هو مسألةٌ كلامية بحتة ، وذلك لأنّ استحقاق الثواب أو العقاب هو قضيّة عقلية تـتعلّق باُصول الدين لا بفروعه ، فهو من قبـيل ثبوت وجوب وجود الخالق تعالى ، ومن قبـيل ثبوت وجوب إطاعة المولى تعالى ولو من باب وجوب شكر المنعِم ، وإلاّ فإنّ المكلّف يستحقّ العقاب . ونـتيجة بحث التجرّي لا توصلنا إلى ثبوت حكم شرعي تكليفي ولا موضوعي ، فهو لن يوصلنا إلا إلى استحقاق العقاب و ـ في الإنقياد إلى ـ استحقاق الثواب ، وهذه ليست اعتبارات شرعية أصلاً .
كما لا ربط له بأصول الفقه ، لأنه لا يؤدّي إلى القدرة على استـنباط الأحكام الشرعية ، وذلك لأنّ المسألة الاُصولية يجب أن تؤدّي إلى القدرة على استـنباط مجعولات فقهية سواء كانت هذه المجعولات موضوعيةً ـ كالملكية والزوجية ـ أو تكليفية ـ كوجوب الصلاة وحرمة شرب الخمر ـ ، أو قُلْ : المسألةُ الاُصولية هي ما يجب أن تقع غالباً كبرى في قياس استـنباط الحكم الشرعي.
نعم ، قد يوصلنا هذا البحثُ إلى القول بحرمة التجرّي ـ أي شرعاً ـ أو حرمة العمل المتجرّى به ، وهذه نـتيجة فقهية واضحة ، فاعتبروها من هذه الجهة مسألة اُصوليّة .
أقول : لكن ما المراد من إثبات هذه الحرمة الشرعية ؟ أو قُلْ : ما هي غايتكم من إثبات الحرمة ؟
لا شكّ أنك ستقول : غايتـنا فقط إثباتُ إستحقاق العقاب ،
قلتُ : حتى على القول بعدم حرمة التجرّي وعدم حرمة العمل المتجرّى به ، العقابُ ثابت قطعاً بلحاظ ملاك العقاب وعلّته ، وهي الخدشة في مولوية الباري تعالى وفي احترامه .
على أيّ حال لا مشكلة في بحث مسألة التجرّي في علم الاُصول من هذه الجهة .
أمّا احتمال كون مسألة التجرّي قاعدةً فقهيّة فغير وارد أصلاً ، وذلك لأنّ القواعد الفقهية هي بنفسها اعتباراتٌ شرعيةٌ كلّيّة ، وبتطبـيقها على المصاديق نـنـتهي إلى ترتّب حكمها الشرعي في