دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٧٤ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
تعالى وإن لم يشرعها بل كانوا هم المبتدعين لها" (إنـتهى ما في الميزان[٨٦١] ، وهذا فَهْمٌ غريب مبني على الإنقطاع في الإستـثـناء وهو خلاف ظاهر الإستـثـناء عموماً ، بل الأصل فيه كونُه متصلاً . ومن الواضح أنـنا لو قلنا في الآية : ابتدعوها إلاّ ابتغاء رضوان الله لكانت إلا زائدة لا تـفيد الإستـثـناءَ على الإطلاق بل تكون العبارة ركيكة ، وحاشا القرآن الكريم من الركَّة ، وإنما يأتي مِثْلُ هذا الإستـثـناء عادة بعد النفي ، كما هو في الآية فعلاً [ما كَـتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ] ، فلماذا أرجع هذه الجملةَ الأخيرةَ إلى ما هو سابق على الجملة المنفية ـ وهي [ابتدعوها] ـ ، وهو أيضاً مثبَتٌ غيرُ منفيّ لا يصلح لرجوع هذا الإستـثـناء إليه ، فالظاهر رجوع الإستـثـناء إلى الجملة المنفية ـ وهي [ما كتبناها عليهم] ـ ليكون المراد والمحصل هو الإثبات كقوله "ما جئتُ إلاّ لأراك" يعني : جئت لأراك ، مع إفادة زائدةٍ وهي التأكيد أولاً والحصر ثانياً . الأمر الثامن : تدل الآية الكريمة على أنّ هناك أمرين قد حصلا : أحدهما : إعطاء الرهبانية لقلوب هؤلاء ، الثاني : تشريعها في حقّهم ، والمفهوم عادة أو تقليديّاً هو أن الأمر
[٨٦١] جلبْتُ ما في تفسير الميزان من نفس كتاب تفسير الميزان ج ١٩ ص ١٧٣ ، سورة الحديد آية ٢٧ . على كلٍّ ، يريد أن يقول السيد الطباطبائي بأنّ المراد من الآية هو "ورهبانيةً ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله" أي ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ، فتكون [إلا] زائدة ، ويصير المعنى "إنهم عملوا بعضَ الطرقِ الرهبانية ، ولم يُمْضِها لهم اللهُ تعالى" . وإنما قال بما قال لعدم إمكان أن يكون الإستـثـناءُ متصلاً ، وذلك لأنه لو كان متصلاً لوجب أن يقول الله تعالى "ما كتبناها عليهم إلا ليتقرّبوا إلينا به" ولا معنى للقول "ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله" لأنه انقلاب فوري من صيغة المتكلّم إلى صيغة الغائب ، لذلك وجب أن يكون الإستـثـناءُ بين [ما كتبناها عليهم] و [إلاّ ابتغاء رضوان الله] منقطعاً الذي يعني أنّ [ابتغاء] غيرُ مستـثـناةٍ من [ما كتبناها عليهم] وإنما المستـثـنى منه هو [ابتدعوها] ، فيكون كالإستـثـناء في قوله تعالى [وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس ، كان من الجنّ ، ففسق عن أمر ربّه] .
فأجابه الشهيد الصدر الثاني بأنّ [إلاّ] يجب أن تكون استـثـناءً من قوله [ما كتبناها] لأنه هو الظاهر عند القارئ ، أي يجب أن يكون الإستـثـناءُ متصلاً ، فيكون المعنى "ما كتبناها عليهم إلاّ ابتغاء رضوان الله ، أي أنّ الله تعالى أمضاها لهم ابتغاء رضوان الله بعدما اخترعوها ، لكنهم رغم أنهم اخترعوها وأمضاها اللهُ جلّ وعلا لم يراعِ هذه الطرقَ الرهبانيةَ إلاّ القليلُ منهم" . وقد تصرّفنا في المتن في كلام الصدر الثاني هنا قليلاً لتوضيح ردِّه على السيد الطباطبائي .
أقول : سياق الآية يفيد أنّ الطرق الرهبانية ابتدعوها هم ، وأنّ الله لم يكتبها في اللوح المحفوظ ، وهذا يكشف عن أنه لا يوجد ملاكٌ لجعلها في اللوح المحفوظ ، فيتعيّن أن يكون معنى قوله تعالى [إلاّ ابتغاء رضوان الله] أنّ الله تعالى كتبها عليهم بالعنوان الثانوي لأنه أمر راجح في ذاته ، أي بسبب نذرهم أو يمينهم أو عهدهم كتبناها عليهم بالعنوان الثانوي ، كما تـنذر أن تشتري لوالديك هدية مثلاً أو أن تزور السيدة زينب (س) .