دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٢٨ - ١ ـ البراءة العقليّة
هو كتاب الكافي وكتاب فقه الرضا وو .. قد وصلت إلينا بشكل طبـيعي جداً ، وها هي روايات السواك الغيرِ واجب شرعاً قد وصل منها إلينا أكثرُ مِن مئة رواية !! وكذا روايات تحريم القياس ونحوِه .. فلو شاء أئمّتـنا (علیهم السلام) أن يقولوا لنا بوجوب الأمر الفلاني وحرمة الأمر الفلاني لكان ذلك عليهم من السهولة بمكان ، وعبر مئات الرواة الثقات . فعدمُ إبلاغنا لحكمٍ ما دليلٌ واضحٌ ـ كالشمس في رابعة النهار ـ على عدم أهميّته أو على عدم إلزاميّته ، بحيث صار لنا أن نجري أصالةَ براءة الذمّة ـ عقلاً ـ في الحكم المشكوك الإلزام ، لا بل العقلُ يقول بعدم وجوب الإحتياط بعد إمكان تـنبـيه المولى الحقيقي وتعليمه لعبـيده ، وهذا لَعَمْري يجب أن يكون واضحاً ووجدانياً .
ومن الطبـيعي أن هذه الأصالة العقلية قطعية ، ولكنْ نـتيجتُها ظنيّة ، فنحن لو أجرينا أصالةَ البراءة العقلية فإننا نحتمل أن نكون مخطئين في الواقع ، وهذا من قبـيل قولنا : خبرُ الثقة حجّة قطعاً ، أي دليلُ حجيّتِه قطعيٌّ من الآيات والروايات ، ولكنْ مؤدّاه قد يكون ظنّيّاً ، والبَـيِّنَةُ حجّةٌ ، ومؤدّاها قد يكون ظنيّاً ، وسوق المسلمين واليد والفراغ والتجاوز والفراش والصحّة والظهورات .. كلّها قطعيةُ الحجيّةِ ، ومع ذلك مؤدّاها قد يكون ظنّياً في بعض الأحيان ، وليس بـينهما أدنى تـناقضٍ أو مشكلة .
* وأمّا على الصعيد الثاني فإنّ عِلْمَنا بأنّ كلّ شيء هو ملك الله جلّ وعلا لا ينفعنا فيما نحن فيه ولا يضرّنا ، ذلك لأنّ العقل يرى أن لو شاء اللهُ أن يُحَرّم علينا شيئاً من مُلْكِه لَذَكَرَه ولَبَـيّنه لنا ، وكذا لو شاء أن يوجب علينا شيئاً لأمكنه أن يُـبَـيِّن ذلك لنا ، فمع عدم التبـيين يَرى العقلُ عدمَ الوجوب ، وذلك لأنّ مُلك اللهِ غيرُ ملك الناس ، فمُلك الناسِ محدودٌ ، ومُلْكُ اللهِ غيرُ محدود ، ولذلك يختلف الأمرُ بين الله وبين الناس .
*وقد تقول بأصالة الحظر وبالتالي بوجوب الإحتياط عقلاً وأنّ مولويّة المولى تعالى ليست محدودةً بالأمور المعلومة فقط ، وإنما دائرتُها شاملةٌ لمطلق الإنكشافات ، أي حتى الإحتمالات ، وذلك لأنّ الله الذي خلقنا هو المالك الحقيقي لنا وأنّ كلّ ما حولنا هو ملك الله جلّ وعلا ، فكيف نـتصرّف بماله ومخلوقاته من دون إذنه ؟! نعم ليس كلّ قطع أو ظنّ أو احتمال هو منجِّز ، وإنما المنجّز هو خصوص ما يصدر من قِبَلِ المولى الحقيقي ، فلو قال لك ولدُك مثلاً "إشترِ لي تـفاحاً" فقطْعُك هذا لا ينجِّزُ عليك شيئاً ، إنما الذي ينجِّزُ هو خصوص ما قاله مولاك الواجبُ الطاعة ، إذن يجب علينا أن نـنظر إلى حدود مولويّة المولى الحقيقي الذي هو الله جلّ وعلا . ووجدانـُنا وعقلُنا يحكمان ـ كما يدّعي السيدُ الشهيد الصدر ـ بأنّ للمولى حقَّ الطاعة علينا في كلّ مراتب الإنكشافات حتى ولو كان الإنكشاف ضعيفاً ، هذا أوّلاً ،