دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٥٤ - البحث الثالث حجيّة الإستصحاب على أساس الأخبار
الذمّيّ ثوبي ، وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ، ويأكل لحم الخنزير ، فيردّه عليّ ، فأغسله قبل أن اُصلّي فيه ؟ فقال أبو عبد الله : صَلِّ فيه ، ولا تغسله من أجل ذلك ، فإنك أعرته إيّاه وهو طاهر ، ولم تستيقن أنه نجّسه ، فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن أنه نجّسه [٧٥٤] صحيحة السند .
ودلالتُها على الإستصحاب ـ لا على قاعدة الطهارة ـ ممّا لا شكّ فيه ، وذلك بقرينة أخذ الحالة السابقة في موضوع الحكم ، فقال (ع) فإنك أعرته إيّاه وهو طاهر ، ولم تستيقن أنه نجّسه ، كما لا شكّ في كونها كبرى كليّة لأنها اُخذت في مقام التعليل بلزوم البناء على الطهارة ، ولأنّ الإمام استخدم اسلوب التعليل بالإرتكاز العقلائي ، والإرتكازُ العقلائي يرى الإستصحاب كبرى كليّة تجري في كلّ الشبهات الموضوعيّة ، لا في خصوص الطهارة .
هذا ولكن ورد رواية معارِضةٌ لصحيحة عبد الله بن سنان وهي ما رواه في التهذيـبين أيضاً بإسناده عن علي بن مهزيار عن فضالة (بن أيوب ثقة) عن عبد الله بن سنان قال : سأل أبي أبا عبد الله (ع) عن الرجل يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل الجري ويشرب الخمر فيرده ، أيصلي فيه قبل أن يغسله ؟ قال : لا يصلي فيه حتى يغسله [٧٥٥] صحيحة السند ، ورواها الكليني في الكافي عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن خيران الخادم قال : سألت أبا عبد الله (ع) وذَكَرَ مِثْلَه ، وهي تفيدنا بأنّ هذا الشخصَ مستهترٌ بالدين بدليل أنه يأكل الجرّي ويشرب الخمرَ فإذن هو لا يهتمّ بالنجاسات ، فمع هكذا أشخاص لا بأس بالتطهير .
قال الشيخ الطوسي "هذا محمول على الإستحباب" . أقول : ما ذَكَرَه صحيح ، للزوم أن يُجمع بين عدم وجوب التطهير ـ في النصّ الأوّل ـ ووجوب التطهير ـ في النصّ الثاني ـ على استحباب التطهير .
ثم إنك تلاحظ في صحيحة عبد الله بن سنان ـ النصّ الأوّل ـ أنّ الإمامَ (ع) عَلَّلَ الإستصحابَ بطهارة الثوب في الزمان السابق ، ولم يعلّله بسبق اليقين على الشكّ ، وهذا دليل على أنّ المراد باليقين في الروايات السابقة هو اليقينُ بنحو الطريقيّة ـ لا بنحو الصفتية ـ أي بمعنى ثبوت النجاسة بأيّ دليل شرعي .
وهكذا لا يـبقى عندنا أدنى شكّ في حجيّة الإستصحاب ككبرى كليّة تجري في كلّ الشبهات الموضوعيّة .
[٧٥٤] ئل ٢ ب ٧٤ من أبواب النجاسات ح ١ ص ١٠٩٥ .
[٧٥٥] ئل ٢ ب ٧٤ من أبواب النجاسات ح ٢ ص ١٠٩٥ .