دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٢٣ - ١ ـ البراءة العقليّة
وجاء بعدَهم ـ بحوالي القرن من الزمان ـ السيد أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحلبي (٥١١ ـ ٥٨٥ هـ ق) فقال في كتابه الغُنْيَة "بقبح التكليف مع عدم العلم ، لأنه من التكليف بغير المقدور" ، ويَرِدُ عليه أنه قد يمكن الإحتياط ، فكيف تقول بأنّ التكليف بالمجهول غير مقدور ؟! واُجيب عنه بأنّ مراده عدم إمكانية الإمتـثال التـفصيلي !!
وجاء بعده المحقّق الحلّي (٦٠٢ ـ ٦٧٦ هـ ق) فقال : "وأمّا الإستصحاب فأقسامُه ثلاثة : استصحاب حال العقل وهو التمسك بالبراءة الأصلية كما تقول : ليس الوَتر واجباً لأن الأصلَ براءةُ العهدة ، ومنه أن يختلف الفقهاء في الحكم بالأقلّ أو الأكثر فتقتصر على الأقل ، كما يقول بعض الأصحاب : في عين الدابة نصفُ قيمتها ، ويقول الآخر ربع قيمتها ، فيقول المستدل ثبت الربع إجماعاً ، فينـتـفي الزايد نظراً إلى البراءة الأصلية" (إنـتهى) [٦٢٧]، ونسبوا إليه أيضاً أنه قال : "إنّ التكليف بشيء مع عدم نصب دليل عليه قبـيحٌ ، وعدمُ وصول الدليل دليلٌ على عدم وجوده" .
وقد آمن صاحب المعالم (الشيخ حسن بن الشهيد الثاني ٩٥٩ ـ ١٠١١ هـ) بتقريب المحقّق .
ونُقِل ذلك عن القوانين .
ثم آمن الشيخُ الأنصاري بها فقال : "الثالث من الأدلّة حكمُ العقل بقبح العقاب على شيء من دون بـيان التكليف ، ويشهد له حكم العقلاء كافّة بقبح مؤاخذة المولى عبدَه على فعلِ ما يعترف بعدم إعلامه أصلاً بالتحريم" .
ومن زمانه تبلورت فكرة (قبح العقاب بلا بـيان) ، وبدأ الكلام في حدود جريانها ، فهل تجري في الشبهتين المفهومية والموضوعية أم لا ؟ راجع مثلاً بحوث في علم الاُصول / تقريرات اُستاذنا السيد محمود الهاشمي حفظه الله ج ٥ ص ٢٥ فما بعد .
[٦٢٧] المعتبَر ج ١ / في حجيّة الإستصحاب ص ٣٢ .