دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٠ - تبعيّة الدلالة الإلتـزاميّة والتضمّنـيّة للدلالة المطابقيّة
، فإنّ الفقيه يطمئنّ بعدم حرمة غسل الجمعة ، وإلاّ فمع عدم الوثوق فلا شكّ في سقوط المدلول الثالث .
أمّا تبعيّة الدلالة التضمّنـيّة للدلالة المطابقيّة فإنه يجب التـفصيل بين ما لو كان بين الأجزاء ارتباط أو لا : فلو قالت بـينةٌ "إنّ هذا البـيت هو لزيدٍ" ، فهذا يعني أنّ كلّ حائط فيه هو لزيد ، فلو علمنا باشتباه البَـيّنَة وأنّ البـيت ليس لزيد فهذا يعني تلقائيّاً أنّ كلّ حائط فيه هو ليس لزيد ، وأمّا لو قالت البَـيّنَة "هذه المكتبة هي لزيد" فهذا القول مرجعه إلى قولهم "كلّ كتاب في هذه الغرفة هو لزيد" أي أنّ العموم هنا إستغراقي لا مجموعي ، ولذلك فإذا علمنا بأنّ كتاباً فيها أو كتابين ليسا لزيد فهذا لا يستوجب سقوط كلّ المدلول اللفظي السابق عن الحجيّة .
والفرق بين الحالة الأولى والثانية هو وجود الترابط في الحالة الأولى دون الثانية ، ففي الحالة الأولى : معنى كلمة (بـيت) هو (الحيطان والأرض والسقف) ، ويـبعد التـفكيك بـينهما بحسب العادة ، وذلك لكون هذه الحيطان والأرض والسقف هي أجزاء لهذا البـيت بحسب الظاهر ، فلو تبين عدمُ ملكيّة البـيت لزيدٍ ـ لاشتباه البَـيّنَة مثلاً ـ لسقطت حجيّة كلام البَـيّنَة في كلّ أجزاء البـيت لا محالة ، وكذا لو تبين أنّ بعض الأجزاء الأساسيّة للبـيت ليست لزيد لسقطت البَـيّنَة عن الحجيّة في كلّ كلامها ، وذلك لوجود ترابط بين البـيت وبين الأجزاء الأساسيّة فيه . وكذا الترابط بين (الكتاب) و (أجزائه) ، فلو أخبرتـنا البَـيّنَة بأنّ الكتاب الفلاني هو لزيدٍ فكأنما قالت هذه الورقة منه هي لزيد وتلك الورقة ... ولو علمنا باشتباه البَـيّنَة لسقطت المداليل التضمّنـيّة كلّها .
أمّا في مثال المكتبة فليس الكتاب فيها مرتبطاً بالكتاب الآخر ، أي ليس فيها ظهور الحال المذكور سابقاً ، فإنّ من المعقول جدّاً أن تكون المكتبةُ لزيد إلاّ بعض الكتب ، فلو تبين أنّ بعض الكتب ليست لزيد فهذا لا يوجب عرفاً سقوطَ سائرِ كلام البَـيّنَة ، وقريب منه ما يردّده علماؤنا عادةً من قولهم بالتبعيض في كلام الثـقة ، فلو تكلّم الثقةُ ألف جملة ، واشتبه في جملة أو اثـنـتين ، فهذا لا يوجب عرفاً سقوطَ كلّ خطبته .
هذا كلّه كان في الدلالة التضمنـيّة بلحاظ الأجزاء الخارجيّة .
وهناك معنى آخر للدلالة التضمّنـيّة وهي بلحاظ أجزاء الماهيّة ، وهي كدلالة (إنسان) على (الحيوان) وعلى (الناطق) .
وهذا كلّه بحث لا يفيد ، ولذلك لا نبحث في أنّ الدلالة التضمّنـيّة تدخل في الدلالة المطابقيّة (المنطوقيّة) أم في الدلالة الإلتزاميّة بعد وضوح وجود وجه لكلّ قول .