دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٥٥ - ٣ ـ دعوى التمسّك بالإجماع
الوجهَ في روايتهم ، أو أنه غير الإعتقاد لمتضمَّنها ، ولو كانوا معتقدين للجبر والتشبـيه كان الكلام على ما يروونه كالكلام على ما ترويه الفرق المتقدم ذكرها ، وقد بـينّا ما عندنا في ذلك . وهذه جملة كافية في إبطال هذا السؤال .
فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون الذين أشرتم إليهم ، لم يعملوا بهذه الأخبار لمجردها ، بل إنما عملوا بها لقرائن اقترنـت بها دلَّتْهم على صحتها ولأجلها عملوا بها ، ولو تجرَّدَتْ لما عملوا بها ، وإذا جاز ذلك لم يمكن الإعتماد على عملهم بها .
قيل له : القرائن التي تقترن بالخبر وتدل على صحته أشياء مخصوصة ـ نذكرها فيما بعد ـ من الكتاب والسُنّة والإجماع والتواتر ، ونحن نعلم أنه ليس في جميع المسائل التي استعملوا فيها أخبار الآحاد ذلك لأنها أكثر من أن تحصى ، موجودة في كتبهم وتصانيفهم وفتاواهم ، لأنه ليس في جميعها يمكن الإستدلال بالقرآن لعدم ذكر ذلك في صريحه وفحواه ، أو دليله ومعناه ، ولا في السُنّة المتواترة لعدم ذلك في أكثرالأحكام ، بل لوجودها في مسائل معدودة ، ولا في الإجماع لوجود الإختلاف في ذلك ، فعُلِم أن ادعاء القرائن في جميع هذه المسائل دعوى محالة ، ومَنِ ادعَّى القرائن في جميع ما ذكرناه كان السبر بـينـنا وبـينه ، بل كان مُعَوِّلاً على ما يعلم ضرورة خلافه ، مدافعاً لما يعلم من نفسه ضده ونقيضه .
ومَن قال عند ذلك : إني متى عدمت شيئاً من القرائن حكمت بما كان يقتضيه العقل ، يلزمه أن يترك أكثر الأخبار وأكثر الأحكام ولا يحكم فيها بشيء ورد الشرع به ، وهذا حَدٌّ يَرغب أهلُ العلم عنه ، ومن صار إليه لا يحسن مكالمته ، لأنه يكون معولاً على ما يعلم ضرورة من الشرع خلافه .
ومما يدل أيضاً على جواز العمل بهذه الأخبار التي أشرنا إليها ، ما ظهر بين الفرقة المحقة من الإختلاف الصادر عن العمل بها ، فإني وجدتها مختلفة المذاهب في الأحكام ، يفتي أحدهم بما لا يفتي به صاحبُه في جميع أبواب الفقه من الطهارة إلى أبواب الدّيات من العبادات والأحكام والمعاملات والفرائض وغير ذلك .. حتى أن باباً منه لا يسلم إلا وقد وجدت العلماء من الطائفة مختلفة في مسائل منه ، أو مسألة متـفاوتة الفتاوى ، وقد ذكرت ما ورد عنهم (ع) من الأحاديث المختلفة التي تختص بالفقه في كتابي المعروف بـ الإستبصار وفي كتاب تهذيـب الأحكام ما يزيد على خمسة آلاف حديث ، وذكرت في أكثرها اختلاف الطائفة في العمل بها وذلك أشهر من أن يخفى ، حتى أنك لو تأملت اختلافهم في هذه الأحكام وجدته يزيد على اختلاف أبي حنيفة والشافعي ومالك ، ووجدتهم مع هذا الإختلاف العظيم لم يقطع أحد منهم موالاة صاحبه ، ولم ينـته إلى تضليله وتـفسيقه والبراءة من مخالفته ،