دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٩٠ - ١ ـ مثبتات الأمارات والأصول
أنه طاهر ، ولك أن تبـيعه على أنه طاهر رغم اشتراط المشتري ـ لفظيّاً ـ بطهارته .. وهكذا في سائر التعبـيرات السابقة .
وبتعبـير آخر : إنّ المولى تعالى حينما جعل الأماراِت حجّةً فإنّ العرف يفهم من ذلك أنها حجّة في كلا مدلولَيها المطابقي والإلتزامي ، وذلك لوضوح أنّ سبب إعطاء الحجيّة للأمارات في الأدلّة ـ كما في أدلّة حجيّة سوق المسلمين واليد والبَـيِّنَةِ وخبر الثقة ـ هو أغلبـية مطابقتها للواقع ولحفظ النظام العام وللتسهيل على الناس ، وح نقول بأنّ مفاد الأمارات في كلا مدلولَيها المطابقي والإلتزامي بنفس قوّة المطابقة للواقع ، فإنْ قالت لك البَـيِّنَة : قَطَعوا رأسَ زيدٍ ، فإنّ هذا يعني عرفاً أنه قد مات ، ويترتّب على ذلك كلّ آثار الموت شرعاً ، وهذا يعني أنّ مثبتات الأمارة هي من جملة دلالات الأمارة العرفيّة ، والنـتيجة هي أنّ مثبتات الأمارات حجّة .
وبتعبـير ثالث : إنّ المولى تعالى إنما جعل الأماراتِ حجّةً لأغلبـية موافقتِها للواقع ـ ولا نظر لدى المولى تعالى في الأمارات إلى المحتمل ، أي إلى نوع مؤدّى الأمارة ـ بدليل الروايات السالفة الذكر قبل قليل ـ كرواية فإنه لا عُذْرَ لأحدٍ مِن موالينا في التشكيك فيما يُؤَدّيه عَنّا ثِقاتـنا وكأنه (ع) يقول لا تشكّكوا .. فإنها غالباً جداً توافق الواقع ، وابنوا على أنها موافقةٌ للواقع ـ ومعنى ذلك أنّ مداليلها الإلتزاميّة أيضاً توافق الواقعَ غالباً ، فيجب ـ لنفس العلّة ـ أن تكون حجّة . وقد ذكر السيد الشهيد الصدر هذا المطلب في مباحث الاُصول في موضعين : الأوّل في الجزء الثالث من القسم الثاني ص ٣٨ والثاني في الجزء الخامس من القسم الثاني ص ٤٢٨ .
*هذا التـنزيل بلحاظ المداليل الإلتزامية غيرُ موجود في الأصول العمليّة ، ذلك لأنّ الأصول العمليّة تَعبّدنا الشارعُ المقدّس فيها بخصوص المدلول المطابقي ، ولم يتعبّدنا بالمدلول الإلتزامي ، كبقاء زيد تحت الحائط ـ في مثال ما لو كان زيدٌ نائماً تحت حائط ثم حصلت زلزلةٌ ولم نعلم بفراره من تحت الحائط ـ فإنـنا لا يصحّ أن نستصحب بقاءَه تحت الحائط لنُرَتّب على ذلك أنه قد طُحِنَتْ عظامُه وأنه قد مات لنرتّب على ذلك وجوبَ اعتدادِ زوجته وتقسيم ماله ، لا بل إنّ الإتصال بزوجته وإخبارَها بوجوب اعتدادها ـ بناءً على استصحاب بقائه تحت الحائط ـ وبوجوب تقسيم مال زوجها هو أمرٌ مضحك فعلاً ، لأنّه من البديهي عند كلّ المتشرّعة الذين يعرفون بقاعدة الإستصحاب أنهم لن يقسّموا مالَ زيد ولن يأمروا زوجتَه بالإعتداد ، ممّا يعني أنّه لا أحد يفهم من قاعدة الإستصحاب ترتيبَ الآثار غير الشرعيّة على الإستصحاب ـ التي هي العقليّة والتكوينية والعاديّة ـ ولذلك علينا أن نستصحب بقاءَ حياة زيد ، ولا معارض لهذا الإستصحاب .