دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٠٣ - الجهة الاُولى في المراد من التعارض إجمالاً
* واعلمْ أنّه لا يفرق الحال عملياً بين أن تقول : يقع التعارض ـ أي التـناقض أو التضادّ ـ بين الدليلين ـ كما لو ورد في الروايات الصحيحة "صلّوا الجمعةَ" و "لا تُصَلُّوا الجمعةَ" ـ أو تقول يقع بين مدلولَي الدليلين ـ كما لو فَهِمْنا من الروايات الصحيحة السابقة "صلاة الجمعة واجب" و "صلاة الجمعة مستحبّة أو حرام" ـ ، ورغم وضوح عدم الفرق بـينهما عملياً فقد ذهب إلى الثاني المشهورُ كصاحبَي القوانين والفصول والشيخ الأعظم الأنصاري[٩٠٩] والسيد الخوئي والشهيد السيد الصدر . قال السيد الخوئي "إنّ معنى التعارض هو تـنافي مدلولَي الدليلين بحسب الجعل ، وذلك لعدم إمكان جعلهما معاً فيكون كل منهما مُكَذِّباً للآخر" (إنـتهى) [٩١٠]، فلو وَرَدَ في الروايات الصحيحة (إنْ شئـتُم بـِيعوا الكلابَ الثلاثة) و (لا تَبـيعوا الكلابَ الثلاثة) فالتـنافي إنما يكون بين المدلولين ، أي بين كون بـيعها جائزاً وبين كونِه حراماً ، وهذا هو المراد بالمدلولين ، وليست الخطابات بالأمر أو النهي إلاّ كاشفةً عن الجعولات الشرعيّة التي هي بنحو الجمل الخبريّة لا الجمل الخطابـية ، وما ذكروه صحيح بلا شكّ .
فإن قلتَ : رغم صحّة ما قالوه فإنّه يجب أن نقول بأنّ التعارض يقع بين الدليلين أيضاً ، ما شئتَ فَعَبِّرْ ، فتقول (تعارَضَ الخبران) أي الدليلان ، فقد ورد في الخبر "إذا ورد عنكم الخبران المتعارضان .." .
قلتُ : التعارض حينما يكون بين الخبرين فإنما يكون في الواقع بين المدلولين ، ولولا التعارض بين المدلولين لما قلنا تعارَضَ الخبران .
* وقد يعبّر بدل المدلول بـ (الدلالة) أيضاً ، وقد يعبّر عنه أيضاً بـ (المراد) ، وهما تساهل في التعبـير ، وذلك لأنّ معنى (الدلالة) هو المعنى الظاهر من اللفظ ، ومعنى (المراد) هو المراد التصديقي .
[٩٠٩] مباحث الأصول للسيد كاظم الحائري ج ٥ من القسم الثاني أوّل بحث تعريف التعارض ص ٥٦٩ .
[٩١٠] التـنقيح في شرح العروة الوثقى/ كتاب الإجتهاد والتقليد / مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي الطبعة الثانية طبعة سنة ١٤٢٦ هـ الموافق لسنة ٢٠٠٥ م صفحة ١٠١ ، وفي طبعة دار الهادي للمطبوعات الطبعة الثالثة سنة ١٤١٠ هـ صفحة ١٢٨ .