دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٢٦ - ١ ـ البراءة العقليّة
والصعيد الثاني على مستوى حرمة التصرّف بملك الغير ، فيحرم التصرّفُ عقلاً بما فوق الحاجة حتى يثبت الإذنُ من المالك الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى ، وهو يقتضي القولَ بأصالة الحظر .
أمّا على مستوى حكم العقل قبل البحث والنظر في الأدلّة الشرعية ، فلا أظنّ أنه يوجَدُ كلامٌ بـينهم ، والسبب في ذلك هو إلزام العقل هنا بالسؤال والإحتياط حتى يستعلم . وبتعبير آخر ، لو لاحظنا كلامَ القوم فإنك تراهم بحثوا المسألةَ على أحد الصعيدين المذكورين ، لكننا لو فكّرنا على صعيد ما قبل الفحص لوجدنا أنّ العقل لا يحكم ببراءة الذمّة .
الثانية : تقدّم الكلامُ عن مشكلة وجود علم إجمالي بوجود تكاليفَ إلزاميةٍ بين الروايات ، وأنـنا برهنّا على انحلاله بالروايات الصحيحة ، فلا نُدخِل هذه المسألةَ في بحثـنا .
الثالثة : إنّ أصالة الحِلّيّة العقلية وأصالة الطهارة العقلية هما من نفس باب البراءة العقلية ، بمعنى أنّ الكلام في هذه الأصالات الثلاثة واحدٌ تماماً ، بل سبق وقلنا قبل قليل إنّ أصالة الحِلّيّة العقلية هي فرع من فروع البراءة العقلية وإنها أضيقُ دائرةً من البراءة لأنّ مورد أصالة الحلية هو فقط مواردُ الشكّ في الحرمة والحليّة ، أمّا قاعدة البراءة فموردها في موارد الشبهتين التحريمية والوجوبـية .
الرابعة : كلامهم هنا إنما هو في خصوص الشبهات الحكمية وليس في الشبهات الخارجية الجزئية ، فحينما قال المولى مثلاً "الخمرُ حرام" وشككنا في خمريّة هذا المائع الخارجي الذي أمامنا ، فهل تُجري أصالةَ الحلّية العقليّة أم لا ؟ يصعب ذلك ، ولذلك ترى العقلَ يتوقّف هنا أيضاً كما قلنا قبل قليل ، لأنّ المولى تعالى أدّى ما عليه ، وهذه مشكلة خارجيّة بحتة ، لا تقصير فيها للمعصومين iأصلاً ، فيقع الإشكالُ في جريان أصالة الحِلّيّة . على كلٍّ ، ليس كلامُنا في الشبهات الموضوعية .