دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٢٧ - ١ ـ البراءة العقليّة
والخامسة : مرادُنا ومبتغانا من إثبات البراءة العقلية هو فقط نفيُ المؤاخذةِ على مخالفة ما لا طريق للمكلف إلى العِلْم به ، لا نفيه بحسب الواقع كما هو ظاهر .
إذا عرفت هذه المقدّمات الخمسة نقول :
أمّا على صعيد ما قبل الفحص فإنّ العقل ـ كما قلنا ـ يحكم بلزوم السؤال والإستعلام عن الأدلّة الشرعية . فلو كنتَ في مِنطقةٍ لوحدك ، وعلى بُعدِ كلم واحد عالم ديني ، وأردت أن تدخّنَ التـنباكَ مثلاً ، واحتملتَ الحرمةَ لضررِه الذي يحصل على تراكم السنين ، فهل تدخِّنُ أم تذهبُ إلى العالم الديني وتسألُه ؟ هنا محلُّ الكلام . الجواب : إنّ المتشرّعة العقلاء في هكذا حالة يذهبون إلى العالم الديني ويسألونه عن حكم هذه المسألة التي وقعوا فيها ولا يُقْدِمون على التدخين ، وهذا دليلُنا الوجداني على أصالة الإحتياط قبل الفحص في الأدلّة .
فإن قلتَ : إنك إن شككت في وجود تكليفٍ إلزامي عليك ، فإنّ عقلك يقول لك ـ حتى قبل الفحص في الأدلّة الشرعية ـ بأنك حرٌّ طليقٌ حتى يَثْـبُتَ التكليفُ من عند مولاك جلّ وعلا بشكل واضح ، فإذا ثبت التكليفُ عندك وجب عليك الإمتـثالُ والطاعة عقلاً ، وإلاّ فمع الشكّ في وجود التكليف فإنّ العقل لا يُلزِمَ بالإحتياط ولو من باب أصالة العدم الأزلي .
قلتُ : يَصْعُبُ القولُ بأنّ أصالة العدم الأزلي تجرّ العقلَ قبل الفحص في الأدلّة الشرعية إلى القول بعدمِ التكليف ، فالعقلُ لا يحكم باستصحاب عدمِ التكليف ، بل ترى العقلاءَ يستـنكرون القولَ ببراءة الذمّة وجواز الإقدام على العمل المشكوك الحلّية .
نعم ، على صعيد ما بعد الفحص في الأدلّة الشرعية وعدم وجدان الدليل الشرعي ومع غضّ النظر عن قاعدة البراءة الشرعية فإنّ العقل يرى عدمَ وجوب الإحتياط ، وذلك لقدرة المعصومين iعلى تبـيـين الأحكام الشرعية الإلزامية ، فمع عدم التبـيـين يرى العقلُ براءة الذمّة ، فإنّ المولى تعالى لو أراد تكليفَهم لبـيَّنَ لهم والمفروضُ أنه قادر على التبـيـين . وبتعبـيرٍ آخر ، لا شكّ في أنّ المعصومين (علیهم السلام) ـ الذين هم خلفاء الله تعالى ولسانه الناطق ـ بقُوا بين أيدينا ، تَبَرَّكَ بهم آباؤنا وأجدادُنا وتبرّكتِ الدنيا بظهورهم مِن قَبْلِ هِجرةِ رسول الله إلى سنة ٣٢٩ هـ ق حيث انـتهت بذلك الغَيـبةُ الصغرى ، وغاب الحبـيبُ ابنُ الحبـيب ابنُ الأحبّة ، وأظلمت الدنيا ، وبكت عيون المؤمنين ولا تزال ، ولن ترقأَ لهم دمعةٌ ، منذ كربلاء وقبلها وبَعدَها وإلى آخر الغَيـبة الصغرى وإلى يومنا هذا ، وصرنا يتامى أهل بـيت رسول الله (علیهم السلام) ، وقد كانوا قادرين على إيصال ما يشاؤون من أحكام إلينا في هذه الـ ٣٢٩ سنة بآلاف الروايات ، لا فقط بمئات الروايات ، وها هي كتب أصحاب المعصومين (ع) ورواياتُهم قد وصل الكثيرُ منها إلينا ، وها