دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٦٤ - ١ ـ الإستدلال بالكـتاب الكريم
* بقي أربع ملاحظات :
الاُولى : إنّ كلّ الوجوه الخمسة المتقدّمة هي صحيحة في نفسها ، فإن ناقشتَ في واحد أو اثـنين تبقى البقية ، وعليه فلا بدّ من الإيمان بدلالة الآية المباركة على حجيّة خبر العادل ، وأنه عِلْم شرعاً ، وهذا يُعلِن صحّة مسلك الطريقية والعِلْمِيّة التعبّدية .
ولَعَمْري إنّ آية النبأ دليل واضح على حجيّة خبر العادل وعلى مسلك الطريقية ، والتشكيكُ في ذلك ناشئ من عدم التأمّل أو الوسوسة .
الثانية : في المراد من كلمة [فاسق] فنقول : الفسقُ في اللغة هو الخروج ، يقول العرب (فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ مِنْ قِشْرِها) أي خرجت من قشرها ، والمراد من [فاسق] هو الخارج عن الطاعة كالسارق والزاني والقاتل .. وقوله تعالى [ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ] أي خرج من طاعة ربّه ..
وعلى هذا فيكون المراد من (غير الفاسق) هو العادل التقيّ الذي يفعل الواجبات ويترك المحرّمات ، والعدالةُ ملكة نفسانية راسخة بسبب العادة على ذلك تمنعه عن ارتكاب المحرّمات وترك الواجبات ، ومنشأُ هذه الملكة هو الخوف من الله تعالى . وما يهمّنا في الآية هو الكذب والصدق .
والمراد من [ فاسق ] في الآية ـ بقرينة السياق ـ هو الذي لا يهتمّ إذا كذب ، أو قُلْ هو الذي لا يلتزم بالصدق ولا يردعه رادِعٌ عن الكَذِب ولا يؤْمَنُ منه الكذِبُ ، ومقابلُه في الآيات هو (المؤمن المهتدي الذي يتذكّر اللهَ ولا ينساه ، والذي لا يرتكب الكبائر ولا يستحقّ العذاب في الآخرة) ، لاحِظْ ذلك في استعمالات القرآن الكريم لكلمة [فاسق] تجد معناها :
المقابل للمؤمن ، كما في قوله تعالى[ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً ، لاَّ يَسْتَوُونَ (١٨)][٤١٦] وكما في قوله[فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)][٤١٧] . ونجدها مقابلة للمهتدي ، كما في قوله [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ، فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)][٤١٨]، ومن الواضح أنّ المؤمن المهتدي يرتكب الصغائر أي اللمم ، وفي آية [إلاّ اللمَم] إشارةٌ إلى ذلك . إذن مرتكب الصغائر يكون في المؤمنين المهتدين ، ولا يكون فاسقاً . وأنت
[٤١٦] سورة السجدة .
[٤١٧] سورة الحديد .
[٤١٨] سورة الحديد .