دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٦٦ - ١ ـ الإستدلال بالكـتاب الكريم
ومع ذلك تلاحظ التميـيز بين الكافر والفاسق في قوله تعالى [وَلَكِنَّ اللهَ حَبـَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكُـفْرَ وَالْفُسُوقَوَالْعِصْيَانَ ، أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)][٤٢٦] وهي إشارة إلى أنّ الكفر رغم أنه فسق ، إلاّ أنه في أعلى درجات الفسق صار كأنه خارج عن الفسق . وهي أيضاً تـفيدنا فيما سندّعيه من المقابلة بين الإيمان والفسق .
ونجدها بمعنى مَن أراد غيرَ دينِ الله ، كما في قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النبيـينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُـنَّ بِهِ وَلَتـنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي ؟ قَالُوا أَقْرَرْنَا ، قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يـبغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)][٤٢٧].
إذن يظهر أنّ معنى الفسق هو زَيْغ القلب عن الإيمان ، كثيراً كان الزيغُ أو قليلاً ، أعني كُفراً كان أو ارتكاباً للكبائر ، ونسيانُ الله تعالى هو من نفس وادي زَيغ القلب .
وبتعبـير آخر : الفاسق هو في مقابل المؤمن والمهتدي ، كما مرّ في قوله تعالى [أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً] و [فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ] و [.. فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ] . إذَنْ خبرُ المؤمِنِ المهتدي ـ كما في آية النبأ ـ هو العِلْمُ شرعاً وتعبداً .
والشيعةُ من غير الإمامية ـ كالفطحية والواقفة ـ هم من الفسّاق قطعاً ، وغير مؤمنين وغير مهتدين ، وذنبُهم أعظمُ ممّن يَتهم المحصناتِ بالزنا ، لكن مع ذلك استـفاضت رواياتـنا في حجيّة أخبار الثقات منهم ، ممّا يعني أنّ المراد بالفاسق في الآية الكريمة هو الفاسق في النقل ـ أي الغير ملتزم بالصدق ، والذي لا يُؤْمَنُ منه الكَذِب ـ لا في العقيدة .
ومن الطبـيعي أنّ المروءة تؤكّدُ الوثاقةَ ، وعدمُها يُضْعِفُها ويَخلق شكّاً في ثبوتها في نفس الراوي ، ومثّلوا لعَديم المروءة بالمتسوّل بـيده وبمن يأكل في الشوارع لغير أهل السوق وبمن يلبس الألبسة الغير مناسبة عند العقلاء ويعمل أعمالاً مستـنكَرةً ومرفوضةً عند العقلاء ، فقالوا هذه تـنافي المروءةَ والحياء ، ومن لا يملك هذه الخصلة فإنه يُخشَى منه ، لأنه لا يهتمّ بشأن نفسه وبما يقال فيه .. أمّا مَن كان عندَه خصلةُ المروءة والحياء فإنه يحترم نفسَه فلا يكذب ، فتكون مروءتُه هي الرادعة عن الكذب في الحديث
[٤٢٦] سورة الحجرات .
[٤٢٧] سورة آل عمران .