دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٨١ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
المهم هو أنه قد قال بعض الناس[٨٧٩] ـ من غير تحقيق ـ بأنّ "الإسلام قد نسخ الأديانَ السابقة بكلّ شرائعها ، فقد قال (ص) لا رهبانية في الإسلام وقال (ص) لا صرورة في الإسلام وقال (ص) لا إخصاء في الإسلام " (إنـتهى) من غير أن يعلم المرادَ من المذكورات ، فأقول : أمّا الرهبانيّة فقد عرفت قبل أسطر المرادَ منها .
* وأمّا قوله (ص) لا صرورة في الإسلام فقد قالوا إن معناه "لا يـبقَ أحدٌ في الإسلام بلا حج ، ولا يحل لمستطيعٍ ترْكُه" على أساس أنّ المراد من الصرورة هو الذي صَرَّ بنفسه عن إخراجها في الحج ، كأنه وضع نفسه في الصرّة أي في الكيس ، وإنما المطلوب أن ينوي المسلمُ أن يحجّ فور استطاعته ، وإنه لا يصدق عليه ـ عند أهل الباطن ـ أنه صرورة إذا كان منـتظِراً للإستطاعة ، وإنما يكون عند الله حاجّاً إذا كان ناوياً للحجّ بحيث لو مات لكُتِبَ عند الله حاجّاً وله أجر الحاجّ لأنه كان ناوياً الحجَّ ، ولذلك لا يوجد في اللوح المحفوظ (صرورة) ، وإن كان صرورة ظاهراً ، لذلك لا صرورة في الإسلام . أقول : يصعب الجزم بأنّ الحجّ لم يكن واجباً من أيّام خليل الله ابراهيم (ع) . وقيل أيضاً إنّ معنى لا صرورة في الإسلام هو لا عزوبـية في الإسلام ، فإنه يقال لمن لم يتزوج (صرورة) لأنه صَرَّ بنفسه عن إخراجها في النكاح .. على أنّ هذه روايةٌ عامّيّة مرسلة روَوها عن أبي داوود عن ابن عبّاس .
* وأمّا قوله (ص) لا إخصاء في الإسلام فمعناه أنه لا يجوز الإخصاء في الإسلام فإنه ظلم عظيم ، فقد كانوا يخصون العبـيدَ قبل الإسلام كثيراً ، ولكنها لم تكن شريعة إلهيّة ، وإنما كانت عادةً جاهليّةً لا غير .
* وأمّا قوله (ص) لا جَلَبَ[٨٨٠] ولا جَنَبَ[٨٨١] ولا شِغار في الإسلام فقد رووا عن ابن عباس وأخرجه أبو يعلى بإسناد صحيح عندهم باللفظ التالي (ليس مِنّا من أجلب على الخيل يوم الرهان) ،
[٨٧٩] كالميرزا محمد حسين النائيني المتوفَّى سنة ١٣٥٥ هـ في كتابه منية الطالب في شرح المكاسب / تقرير الشيخ موسى بن محمد النجفي الخوانساري المتوفى سنة ١٣٦٣ هـ الجزء الثالث ص ٣٨٦ .
[٨٨٠] المعروف أنه لا رهان إلاّ في الحافر والخفّ والنصل والريش أي السهم ، وفي مصحّحة الشيخ الصدوق بإسناده عن أبـيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي (بن زياد) الوشّاء من وجوه الطائفة عن أبان بن عثمان (ثقة قيل كان ناووسياً) عن العلاء بن سيابة (لم يوثّق ولكن بما أنّ الصدوق يروي عنه في فقيهه مباشرةً فهذا كما يستفاد من كلامه في مقدّمة فقيهه بأنه يكون ثقة) قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن شهادة مَن يَلعَبُ بالحمام ؟ فقال : لا بأس إذا كان لا يُعرَفُ بفسق ، قال : فإنّ مَن قِبَلَنا يقولون : قال عمر : هو الشيطان ، فقال : سبحان الله ! أما علمت أنّ رسول الله (ص) قال : إنّ الملائكة لَتـنفُرُ عند الرهان وتلعن صاحبَه ما خلا الحافر والخـفّ والريش والنصل ، فإنّها تحضره الملائكةُ ، وقد سابق رسول الله (ص) أسامةَ بنَ زيد وأجرى الخيل ئل ١٨ ب ٥٤ من أبواب الشهادات ح ٣ ص ٣٠٥) ، وقد أجمع المسلمون على جواز الرهان في سباق الخيل . والفرق بين السباق المذكور المشروع والجَلَب المنهيّ عنه في الرهان هو أنه في الثاني يجلب فيه الرجلُ على فرسه أي يصيح عليه يستحثه بالإزعاج حتى يسبق . فقد قال العلامة الحلّي "إن تسابق الفارسان لم يجلب بهما ومعنى الجلَب أن يصيح به القوم ليزيد في عدْوِه ، ولكن يركضان بتحريك اللجام والإستحثاث بالسوط لأنّ العامة رووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال من أجلب على الخيل يوم الرهان فليس مِنّا ، ويُروَى لا جلب ولا جنب" . وقال المحقّق الكركي في جامع المقاصد "الجلب : هو أن يَتبَعَ الرجلُ فرسَه فيزجره ويجلب عليه ويصيح حَثاً له على الجري" . وقيل : الجَلَب هو الذي يجلب مع الخيل يركض معها ، أي أنه يَتبَعُ الرجلُ فرسَه فيزجره ويجلب عليه ، فيكون في ذلك معونة للفرس على الجري . وقال الفيروزآبادي وغيره : "الجَلَبُ هو أن يرسل في الحلبة فيجتمع له جماعةٌ تصيح به ، ليردّ عن وجهه" ، المهم هو أنه هناك فرق واضح بين سباق الخيل المشروع والجلب .
[٨٨١] في لسان العرب : "جَنَبَ الفرسَ والأسيرَ يَجْنُبُهُ جَنَباً بالتحريك ، فهو مَجْنُوب ، وجَنِيبٌ أي قادَهُ إلى جَنْبِه ، والجَنَبُ الذي نُهِيَ عنه هو الذي يُجْنَبَ خَلْفَ الفرسِ فَرَسٌ ، فإذا بَلَغَ الغايةَ رُكِبَ ، وهذا يكون في سباق الخيل . وبتعبـيرٍ آخر : الجَنَبُ في السباق هو أن يَجْنُبَ فَرَساً عُرْياً عند الرهان إلى فرسه الذي يسابِقُ عليه ، فإذا فَتَرَ المركوبُ تَحَوَّلَ إلى المَجْنُوب ، وذلك إذا خاف أن يُسبَقَ على الأوّل" (إنـتهى) .