دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٧٩ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
يدعونهم إلى دين الله تعالى ودين عيسى (ع) فساحوا في البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله لهم [ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم] ثم قال النبيّ (ص) : مَن آمن بي وصدَّقَني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ، ومَن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون " (إنـتهى) [٨٧٢].
وقال السيد حسن القبانجي النجفي : "لقد بلغ مِن خوف المؤمنين من قوم عيسى من الله أن ابتدعوا في ديانـتهم الإنقطاعَ عن الدنيا وملازمة الصوامع والأديرة ، ترهباً إلى الله ، فأقرهم الله عليها ، لأنّ القصد منها لم يكن إلا ابتغاء مرضاة الله ، ولكنهم لم يراعوا حقوق هذا الترهب لله بما أدخلوه في ديانـتهم من عقائد تـتـنافى مع الإيمان بالله حيث قال تعالى [.. ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ، فما رعوها حق رعايتها ..]" (إنـتهى) [٨٧٣].
* وقد يتوهّم بعضُ الناس أنّ الصيام عن الكلام كان جائزاً عندهم بدليل قوله تعالى في قصّة زكريّا (ع) [قَالَ : رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً ، قَالَ : آَيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ( ١٠ )] [٨٧٤] وهو غير ثابت ، وذلك لعدم علمنا بأنه كان شرعاً ، وإنما كان اعتقالاً للسان على ما قاله ابن عباس ، قال "اُعتُقِلَ لسانُه من غير مرض ثلاثة أيام" ، وقال قتادة والسدي وابن زيد "اُعتُقِلَ لسانُه من غير خرس" [٨٧٥] ، والظاهر أنه كان اعتقالاً للسانه تكويناً ، ثلاثة أيام بلياليهنّ ، مع خصوص الناس فقط ، لا في عباداته ، فإذا اعتُقِل لسانُه تكويناً من عند الله تعالى فبالتالي هو (ع) سوف يتفرّغ للذكر والشكر .
وقال المولى فتح الله بن شكر الله الشريف الكاشاني (توفّي ٩٨٨ هـ ق) قال [آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا] أي سويّ الخلق . والمعنى : علامتُك أن تُمنع الكلام ، فلا تطيقه وأنت سليم الجوارح صحيح البنية والآلات ، ما بك من خَرَس ولا بُكْمٍ . وإنّما ذَكَرَ الليالي هنا والأيّامَ في آل عمران للدلالة على أنّه استمرّ عليه المنعُ من كلام الناس والتجرّدُ للذكر والشكرِ ثلاثةَ أيّام ولياليهنّ ، وكان يقرأ الزبور ويدعو إلى الله سبحانه ويسبّحه ، ولا يمكنه أن يكلِّم الناسَ ، وهذا أمر خارج عن العادة" (إنـتهى) [٨٧٦].
[٨٧٢] تـفسير مجمع البـيان ج ٩ ص ٤٠٣ .
[٨٧٣] شرح رسالة الحقوق ص ٣١٧ .
[٨٧٤] سورة مريم .
[٨٧٥] التبـيان في تـفسير القرآن للشيخ الطوسي ج ٧ ص ١١٠ .
[٨٧٦] في كتابه زبدة التـفاسير ج ٤ ص ١٦٤ .