دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٠٨ - * أمّا في النقطة الأولى إيضاح بعض الأمور
كلامنا في علم الأصول هو بلحاظ اختلاف الطبائع والأذواق ، إنما كلامنا هو في مجال الأفعال التي يستحقّ الإنسانُ فيها المدحَ أو الذمّ مِنَ اللهِ سبحانه وتعالى . وبتعبـير آخر ، كلامُنا هو عن حجيّة الأحكام العقلية التي يدرك العقلُ حُسْنَها وأنّ الشخصَ يستحقّ على امتـثالِها الثـناءَ من قِبَلِ اللهِ جلّ وعلا ـ كما في العدل ـ أو يدرك قُبْحَها وأنّ الشخص يستحقّ على ترْكِها الذمَّ ـ كما في الظلم ـ .
٥ ـ سوف نذكر في البحث التالي الكثيرَ ممّا يتعلّق بهذا البحث في (المسألة الثانية) حين نقول : "ذَكَرَ بعضُ الأخباريـين أنّ القطع الناشئ من العقل غير حجّة ، بل قد ردَعَ الشارعُ المقدّسُ عن هكذا قطع" ، وتعرَّضْنا هناك لما نُسِب إلى الأخباريين من أنهم أنكروا حجيّةَ الدليل العقلي وبالتالي أنكروا الملازمةَ بين حكم العقل وحكم الشرع ، من باب السالبة لانـتفاء الموضوع ، وأجَبْنا عليه . والظاهرُ قوياً من مراجعة كلامهم أنهم أنكروا حجيّةَ الدليل العقلي الذي يفيد الظنّ ، ولا يمكن أن يُنكِروا حجيّةَ الدليل العقلي القطعي ـ الذي هو محلّ كلامنا ـ وإلاّ لأنكروا وجوبَ إطاعة المولى تعالى ، فإنه يعتمد على حجيّة الحكم العقلي القطعي ، فراجع هناك .
*وأمّا الجوابُ على السؤال المطروح أوّلَ البحثِ فجوابُه هو أنّ ما كان من أحكام العقل ـ من قبـيل "العدلُ حَسَنٌ" و "الظلمُ قبـيحٌ" ـ فلا بدّ من أن يحكم الشارعُ المقدّس مثله ، وبتعبـير أصحّ ، هناك ملازَمةٌ بين أحكام العقل وأحكام الشرع ، ولا يمكن غيرُ هذا ، فإنّ دِينَ اللهِ تعالى كاملٌ بلا شكّ ولا شبهة ، ولا يمكن أن يكون القانون الذي هو مصداق من مصاديق العدالة إلاّ أن يكون مشرَّعاً من قِبَلِ الباري عزّ وجلّ إمّا بنحو الوجوب أو بنحو الإستحباب ، وذلك لأنّ ما يدركه العقلُ يدركه الشرعُ ، ويحكم بحسب ملاكه المناسب ، وأمّا ما كان تشريعُه لغويّاً ـ كوجوب مقدّمة الواجب ، وتشريع أنّ الممكنَ ممكنٌ ـ فلا يمكن ، لأنه مخالفٌ للحكمة .
وبتعبـير آخر ، أنت تعلم أنهم قالوا بأنّ الأدلّة الشرعيّة أربعة : الكتاب والسُّـنّة والإجماع والعقل[٣٥٠]، فاعتبروا العقلَ حجّةً ، ولا شكّ في صحّة ذلك ، بل رأسُ الأدلّة كلِّها هو العقل ، فإنّ الدليل على وجوب إطاعة الباري تعالى هو العقل ، وهو الحجّة لنا وعلينا ، أمامَ الله ، لا ، بل ترى المولى تعالى
[٣٥٠] لعلّك تعلم لزومَ تقديم العقل على الكتاب والسنّة والإجماع ، لأنّ الإيمان والإعتقاد ووجوب إطاعة المولى وكلّ أساسيات الدين تعتمد على العقل ، لكن من باب التشريف والإحترام قدّم العلماءُ الكتابَ الكريم أوّلاً ثم كلام المعصومين (ع) ، ثم احتراماً لعلمائـنا لأنهم خلفاء الأنبـياء قدّموهم أيضاً على العقل .