دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١١ - المـقـدّمـة
ثم إنّ بعض الناس يعتقدون أنّ الطهارةَ ـ كموضوع عرفي خارجي أي بمعنى النقاوة ـ هو أمرٌ وجودي ، مع أنّ من البديهي أنه أمرٌ عدمي ، لأنّ الطهارة ـ كموضوع عرفي خارجي ـ هي النظافة والنقاوة ، وهي عدم النجاسة ، نعم الحكمُ بالطهارة ـ وهو حكم شرعي ـ هو أمْرٌ وجودي والحكمُ الشرعي بالنجاسة هو أمْرٌ وجودي .
وسترى في هذا الكتاب بعضَ التفصيلات التي لم ترها في غير هذا الكتاب ، كما في الفرق بين قاعدةِ الطهارة الواقعة على المستوى العالي التي يُستـنبَطُ منها أحكامٌ كليّة ـ وهو نفس مستوى المسائل الأصولية ـ وقاعدةِ الطهارة الواقعة على مستوى منخفض ـ وهو مستوى الأحكام الكليّة والقواعد الفقهية ـ والتي يُستـنبَطُ منها وظيفةٌ عملية فقط ، فقاعدةُ الطهارة في الحالة الأولى تكون مسألةً أصولية يَستـنبِطُ منها الفقيهُ أحكاماً شرعية كليّة ، وفي الحالة الثانية تكون قاعدةُ الطهارة قاعدةً فقهية يستوي فيها الفقيهُ والعامّيُّ ويستفيدان منها طهارةَ الأشياء الخارجية المشكوكة الطهارة والنجاسة . وكذا الأمر تماماً في مسألة الإستصحاب ، فإنها قد تكون أصولية إذا كان ينظر إليها الفقيهُ كقاعدةٍ يستفيد منها استـنباطَ بعضِ الأحكام الكليّة ـ كما لو نقَتِ المرأةُ من الحيض وشَكّ الفقيهُ في جواز مقاربتها ، فقد يستفيد من الإستصحاب عدمَ جوازِ وطئها بدليل الإستصحاب ـ ، هذا الإستصحابُ الذي يُستـنبَطُ منه حُكمٌ كليّ هو مسألة أصولية ، وقد تكون قاعدةُ الإستصحاب قاعدةً فقهية إذا نظرنا إليها كقاعدةٍ جاهزةٍ يَستخدمها الفقيهُ والعامّيُّ في المجالات الخارجية الجزئية .
وكما في قولنا بأنّ شرط الصلاة هي الطهارة الأعمّ من الواقعية والظاهرية ، وذلك بدليل صحيحة زرارةَ قال ... قلت : فإنْ ظنـنتُ أنه قد أصابه ولم أتيقَّن ذلك ، فنظرتُ فلم أرَ شيئاً ، ثم صلَّيتُ فرأيتُ فيه ؟ قال (ع) : تغسله ولا تعيد الصلاة ، قلت : ولِمَ ذلك ؟ قال : لأنك كـنت على يقين من طهارتك ، ثم شككتَ ، فليس ينبغي لك أن تـنقض اليقين بالشك أبداً فترى أنّ عِلّةَ عدمِ الإعادة هي أنه كان على يقين من طهارته ثم شكّ وليس ينبغي له أن ينقض اليقينَ بالشكّ أبداً ، وهذا يعني ـ بتصريح الإمام (ع) ـ أنّ شرط الصلاة هي الطهارة الأعمّ ، وهذا قد حقّق الطهارةَ الظاهرية ، وبالتالي تكون الصلاةُ صحيحةً واقعاً وليس ظاهراً .
كما أنّ بعضهم لا يعرفون أنّ الدليل على أصالة عدم القرشية هو الإستصحاب الإجتماعي الذي يعمل به كلُّ العقلاء ، وقد أمضاه الشارعُ المقدّس ، هكذا وبكلّ سهولة ، وليس الدليلُ على عدم القرشية هو استصحابُ العدم النعتي ـ أي استصحاب عدم القرشية من قَبْل انعقاد النطفة ـ ولا العدم المحمولي ـ أي استصحاب عدم وجودها من الأصل ـ وذلك لأنّ الإستصحاب المحمولي من قَبْل انعقاد