دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٥٧ - ٧ ـ الأصلُ المـُثْبِت
مثال ثالث : إذا كان الماءُ في الخزّان فوق السطح أكثر من كرّ ، واستعملنا منه مقداراً حتى شككنا في بقاء المقدار الباقي على الكريّة ، ثم فتحنا الحنفيّةَ المتّصلة بالخزّان فوق طشت ماءٍ في المنزل ـ طبعاً الموجود تحت السطح ـ وغسلنا فيه ثوباً متـنجّساً ، فقد تقول "إنّ استصحابنا لكريّة ماء الخزّان إنما يراد منه إثباتُ (ملاقاةِ الثوب للماء الكرّ) وهو أثر عقلي ، فلا ينبغي إذن إستصحابُ الكريّة" ، ولكنه توهّم باطل ، فإنّ موضوع الحكم بطهارة الثوب المتـنجِّس ليس هو (ملاقاة الثوب للماء الكرّ) ليُنفَى هذا الأثرُ العقلي ، وإنما حينما تستصحب بقاء الكرية فإنّ هذا الإستصحابَ يترتب عليه أثر شرعي مباشر وهو اعتصام الماء ، وذلك بدليل أنه لو وقع في هذا الخزّان ثوبٌ متـنجسٌ أليس لنا أن نشرب منه بالإجماع ؟! طبعاً يجوز ، ودليلنا على ذلك استصحابُ بقائه على الكرية لِنُرَتِّبَ على ذلك اعتصامَه ، إذن (إعتصامُه) هو أثر شرعي ، وعليه فنحن حينما نستصحبُ كريّةَ الماء فإنما نريد من وراء ذلك الحكمَ باعتصامه ، إذن الحكمُ باعتصامه هو الأثر الشرعي .
المثال الرابع : قد تكون الحالة السابقة للمائع هي الخمريّة ، وخلالَ عمليّةِ التخليلِ ـ مثلاً ـ شككنا في بقائه على الخمريّة ، فإذا أردنا استصحابَ الخمريّة لإثبات أنه خمر ـ فهو إذن حرام ـ فهذا الإستصحاب يكون أصلاً موضوعياً ، وليس أصلاً مثبتاً ، وذلك لعدم وجود واسطة عقليّة في البَين ، وليس هناك تغايرٌ بين لازمِ المستصحَب وبين موضوعِ الحكم ، وهذا كما يستصحبون بقاءَ كريّةِ الماء في الخزّان ، بل هذا أمْرٌ مسَلَّمٌ عند المسلمين جميعاً .
المثال الخامس : لو فرضنا أنّ الأب مات أثـناء شهر رمضان ، لكنـنا لم ندرِ في أيّ يوم بالتحديد ، وكان ابنُه كافراً لكنه أسلم في اليوم العاشر من شهر رمضان ، فقد يتوهّمُ متوهِّمٌ أنّ استصحابنا لعدم موت الأب إلى أن أسلم الإبنُ أنه أصل مثبت ، ذلك لأنـنا إنما نريد من هذا الإستصحاب إثباتَ أنّ الأب حينما مات كان ولده مسلماً ، وهذا التقارن أثر عقليّ واضح ، فلا ينبغي إذن إجراءُ استصحاب عدم موت الأب إلى أن أسلم الإبن .
وقد تقول في الجواب بأنّ موضوع الإرث هو المركّب بين (موت الأب) و (كون الإبن مسلماً) ، وليس بالضرورة أن نقول بأنّ موضوع الإرث هو عنوان بسيط وهو عنوان (التقارن بـينهما) كي تقول بأنّ الإستصحاب سيكون ح أصلاً مثبتاً . وعليه فيكفي عرفاً أن نستصحب عدم موت الأب إلى أن أسلم ابنُه ، ثم مات الأب عند أو بعد إسلام إبنه ، وبالتالي يرثه ولدُه .