دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٤٥ - الروايات التي يُفهم منها البراءة
وكذلك الأمر في (ما لا يطيقون) ، فهناك بعض الموارد ـ كصيام الشيخ الكبـير ـ يمكن التكليف فيها عرفاً ، لكن المولى تعالى رفَعَهُ ، مَنّاً مِنْهُ ورحمة .
وكذا في (ما اضطُّروا إليه) ، ففي بعض موارد الإضطرار يمكن التكليف ، كما فيما لو اضطُرّ في مورد الجوع أن يأكل وكان يمكن له أن يصبر أكثر ممّا صبر ، لكنه صبر بشكل طبـيعي فقط ، لا بشكل جهادي ، فيمكن معاقبتُه لأنه لم يصبر أكثر ، لكنَّ اللهَ تعالى رَفَعَ عنه العقابَ في هكذا حالة .
هذا ولكن في (ما لا يعلمون) يجب عليك بالعنوان الأوّلي أن تبحث في الأدلّة ، لكنك إن بحثتَ في الكتب وفحصتَ بالشكل العقلائي المتعارف ولم تجد دليلاً على الإلزام فأنت بريئُ الذمّة ، وفي هذا المورد لا يصحّ القولُ بأنه "إن كان التقصيرُ قليلاً متعارفاً فهو مرفوع عن المقصِّر في البحث والفحص" وإنما التقصير في التعلّم مبغوضٌ عقلاً ، ولذلك قال الله تعالى [فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْـتُمْ لا تَعْلَمُونَ] فلا يجوز الإفتاءُ ولا العملُ من دون سؤال عن الحكم الشرعي ، شرعاً ولا عقلاً ، ولذلك استفاضت الروايات في ذلك فقد روى في الكافي عن زرارةَ ومحمد بن مسلم وبريد العجلي قالوا جميعاً : قال أبو عبد الله (ع) لحمران بن أعيَن في شيء سأله : إنما يَهلك الناسُ لأنهم لا يسألون وأيضاً روى في الكافي عن الصادق (ع) عن رسول الله wأنه قال : طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم ومسلمة ، وأيضاً روى في الكافي عن الصادق tأنه قال : وددت أنّ أصحابي ضُرِبَتْ رؤوسُهم بالسياط حتى يتفقهوا ، وأيضاً روى في الكافي عن أمير المؤمنين tأنّ كمال الدين طلبُ العلم والعملُ به ، ألا وإنّ طلب العلم أوجبُ عليكم من طلب المال ، والعلمُ مخزونٌ عند أهله وقد أُمِرْتُم بطلبه من أهله فاطلبوه ، وفي الكافي عن أبي عبد الله t: مَن لم يتفقه في دين الله لم ينظر اللهُ اليه يومَ القيامة ولم يُزَكِّ له عملاً ، وأيضاً روى في الكافي عن أبي عبد الله t: لا يَقبَلُ اللهُ عملاً إلا بمعرفة ، ولا معرفة إلا بعمل ، فمَن عَرِفَ دَلَّتِ المعرفةُ على العمل ، ومَن لم يعمل فلا معرفةَ له وروى في الكافي عن يونس عن بعض أصحابه قال سئل أبو الحسن t: هل يسع الناس ترْكُ المسألةِ عمّا يحتاجون ؟ فقال : لا ، وروى في الكافي أيضاً عن يونس عمَّن ذَكَرَهُ عن أبي عبد الله tقال قال رسول الله (ص) : أفٍّ لرجلٍ لا يُفَرِّغُ نفسَه في كل جمعة لأمرِ دِينِه فيتعاهدَه ويسألَ عن دينه وورد أنه إنْ قيل للعاصي يوم القيامة : لِمَ لَمْ تَعْمَلْ ؟ فإذا قال : لم أكن أعلمُ قيل له : لِمَ لَمْ تـتعلَّم ؟! إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي يمكن دعوى تواترها بالمعنى على وجوب تعلم الأحكام الشرعية والتفقُّه في الدين .