دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٤٧ - الروايات التي يُفهم منها البراءة
وقال السيد الشهيد[٦٥٥]إنه قد ذهب جملةٌ من المحقّقين إلى أنّ المرفوعَ هو (شرب الخمر تكويناً) في حال الخطأ والنسيان والإضطرار والإكراه ... فهو لم يَشرب تكويناً ، لكنْ تـنزيلاً واعتباراً ، فالشربُ المذكور نُزِّلَ مَنزلةَ العدمِ خارجاً ، والأثرُ لهذا التـنزيل هو عدم الحرمة وعدم الحدّ .
والجواب هو أنـنا لا نفهم ـ بناءً على هذا الإدّعاء ـ مرجعَ هاء الضمير المتّصل الموجود ضِمناً في "يعلمون" ، فما هو مرجع الهاء ؟! فهل تقول : رُفِـع عن اُمّتي شربُ الخمر تكويناً تـنزيلاً الذي لا يعلمونه ؟! وفي مثال الغِناء الذي نشك في كونه غناءً إمّا من باب الشبهة المفهومية أو من باب الشبهة المصداقية : هل يقصد رسولُ الله (ص) أن يقول : رُفِعَ عن اُمّتي الغناءُ التكويني تـنزيلاً المجهولُ كونُه غِناءً ؟! أشكّ أن يَفهم واحدٌ في العالَم هذا المعنَى .
والخلاصة هي أنّ المرفوع هو الحكم التـنجيزي ، وكأنّ رسول الله wقال "رُفِعَ عن اُمّتي الحكمُ الذي لا يعلمونه" ، وبتوضيح أحسن : كأنه (ص) قال "إن لم يَعْلَمِ المكلّفُ بحكم شرعي فهو غيرُ منجَّز عليه" ، فلا إشكالَ إذَنْ في متن هذا الحديث .
( ج ) النقطة الثالثة في دلالة فـقرة رُفِعَ عن أمَّتي ما لا يعلمون على البراءة ، وفيها بحثان :
الأوّل : هل أنّ الرفع ظاهريّ أم واقعي ؟
فنقول : عرفتَ في الأسطر السابقة أنّ المرفوع هو الحكم التـنجيزي ، وهذا ما يعبَّرُ عنه بـ الرفع الظاهري ، في مقابل الرفع الواقعي كما في رفع الوجوب الفعلي للتقصير على مَن لم يعلم بالتقصير على المسافر ، فإنّ المرفوع فيه هو الحكم الفعلي ، فهو إذن رفعٌ واقعي ، يعني أنّ الذي لم يَسمع بحكم التقصير غيرُ مكلّف واقعاً ، فالرفعُ إذن هو رفعٌ واقعي ، وهذا تماماً كما لو لم تَزُلِ الشمسُ فهو غير مكلّف بالصلاة واقعاً ، وهذا بخلاف رفعِ التـنجيزِ عن الجاهل بحصول الزوال ، فالحكم يكون ثابتاً عليه فعلاً ، لكنه غير مكلّف ظاهراً ، أي أنّ وجوب صلاة الظهر غيرُ منجَّزٍ عليه ، ولذلك نقول الرفْعُ في حديث الرفع وغيره وفي كلّ الآيات الأربعة هو رفعٌ ظاهريٌّ لا واقعي ، إذ ليس مِن شأن الجهل أن يَرفع الأحكامَ الواقعية الجعلية ، بل ليس من اللازم والضرورة أن تُرفع الأحكامُ الواقعيةُ الجعلية مِن عالَم الجعل ، بل من بديهيّات الاُمور عند الشيعة عدمُ رفْعِ الأحكام الجعلية عند الجهل بها ، وذلك لأكثر من سبب ، كإطلاق الأدلّة من التقيّد بالعِلْمِ بها ، كما في [اَقيموا الصلاةَ وآتُوا الزكاةَ] و [كُتِبَ
[٦٥٥] مباحث الاُصول ج ٣ من القسم الثاني/ فقه الحديث/ نسبة الرفع إلى المرفوعات ص ١٧١ سطر ١٥ ، وذَكَرَها أيضاً في الحلقة الثالثة / بحث أدلّة البراءة من السُّنَّة / المرحلة الأولى من مراحل البحث حول حديث الرفع .