دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٤٨ - الروايات التي يُفهم منها البراءة
عليكُمُ الصيامُ] و [وللهِ على الناسِ حِجُّ البـيتِ] وغيرها .. فإنها غير مقيَّدةٍ بالعِلْمِ بالجعل ، ولأنّنا لا نفترض حصولَ النسخ ، ولذلك نقول بأنه لا يمكن إرادةُ رفْعُ نفس الجعل ـ لأنه يعني النسخَ ـ ولذلك قال العلماء بأنّ الأحكام ـ بمقتضى إطلاقها ـ شامِلَةٌ للعالِم والجاهل .
كما لا وجه لرفع الفعلية أيضاً لأنها مرتبة تكوينية تترتّب بمجرّد كون الإنسان عاقلاً بالغاً قد زالت عليه الشمسُ . وبـبـيانٍ آخر : ليس من اللازم والضرورة ـ إذا أراد اللهُ جلّ وعلا أن يَرفع الأحكامَ التـنجيزية عن الجاهلين بها ـ أن يَرفع أيضاً الأحكامَ الفعليةَ عن الجاهل بها ، وإنما يكفي في رفْعِ التكاليف عن الجاهلين ـ في الآيات السابقة والروايات ـ رفْعُ تـنجيزها فقط ، بهذا يحصل المَنُّ عليهم ، ولا دليل على رَفْعِ فعلية الحكم عن الجاهل به ، أي لا دليل على تقيُّد فعليةِ الحكمِ بالعِلْمِ بجعله إلاّ إذا ثبت ذلك كما ثبت ذلك في مسألة التقصير ، أمّا في غير ذلك وهو الأعمّ الأغلب من الأحكام فالأصلُ عدمُ دخالة قيد العلم في موضوع الحكم ، وذلك كما في الإستطاعة إلى الحجّ ، فإنـنا لا نعلم بأنّ وجوب الحجّ مقيّدٌ بالعلم بالإستطاعة ، فالثابتُ في الحجّ هو "إذا استطعت إلى الحجّ فقد صار عليك الحجّ واجباً فعلاً" ، وليس عندنا دليلٌ على التقيـيد بالعلم أيضاً وذلك بأن نقول "إذا استطعت إلى الحجّ وعلمت بالإستطاعة فقد صار عليك الحجّ واجباً فعلاً " ، فالأصلُ عدمُ تقيـيد الفعلية بالعِلْم بالجعل .
* ثم اعلمْ أنّ الجهل لا يَرفع القبحَ من العمل القبـيح ، وبالتالي لا يَرفع ـ تكويناً ـ الحرمةَ الفعلية ، وذلك لأنّ الحرمة الفعلية هي نـِتاجٌ تكويني للعمل القبـيح الصادر من المكلّف ، لكنْ لا يكون هذا العمل القبـيح الصادر من الجاهل حراماً بنحو التـنجيز ، ولذلك هو لا يستحقّ العقابَ عليه وإن وَجَبَ التعويضُ على العمل القبـيح بـبذل بدل التالف ، وذلك لأنّ الضمان هو حُكمٌ موضوعي لا ربط له بما نحن فيه من الأحكام التكليفية ، وذلك كما لو كسرتَ زجاجَ شخصٍ عن جهل ، فصحيح أنّ الحرمةَ غير منجّزةٍ عليك لأنك كنتَ جاهلاً ، لكن يترتّبُ عليك ضمان البدل التالف .
نعم ، لو كان الحكمُ مقيَّداً بالعِلم بالجعل ، فهذا يعني أنّ الجاهل بوجوب التقصير ـ مثلاً ـ غيرُ مكلّف بالتقصير في السفر واقعاً ، أي أنّه ليست كلّ الأحكام الشرعية شاملةً للعالم والجاهل ، وإنما بعضُ الأحكام شاملةٌ لخصوص العالِم وليست شاملةً للجاهل ، وذلك كما نلاحظُ ذلك فيما رواه في يب بإسناده الصحيح عن محمد بن علي بن محبوب عن أحمد بن محمد (بن عيسى) عن (عبد الرحمن) ابن أبي نجران عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن زرارةَ ومحمد بن مسلم قالا قلنا لأبي جعفر t: رجل صَلَّى في السفر أربعاً ، أيُعِيدُ أم لا ؟ قال : إن كان قُرِئَتْ عليه آيةُ التقصير وفُسِّرَتْ له فصلَّى أربعاً