دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٧٧ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
المسألة الرابعة : قد بـينّا أنّ قوله تعالى [ما كتبناها عليهم] من وصف الرهبانية ، وأنّ قوله تعالى [ابتغاء رضوان الله] متعلق بقوله تعالى [ابتدعوها] وقد زاغ قومٌ عن منهج الصواب فظنّوا أنها رهبانية كُتِبَتْ عليهم بعد أن التزموها ، ولا يكتب على أحد شيءٌ إلا بشرع أو نذر ، وليس في هذا اختلاف بين أهل الملل والله أعلم" (إنـتهى) [٨٦٨] .
وقال المولى محمد تقي المجلسي : "قال أبو الحسن الأول (ع) رواه الشيخ مسنداً عنه (ع) في قول الله عز وجل في شأن النصارى [وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها] أي قرروها على أنفسهم ، والظاهر أنها من السُّنَّة الحسنة التي كان أصلها ثابتاً ، ويمكن أن تكون مندوبة ولكنهم أوجبوها على أنفسهم بالنذر وشبهه كما يفهم من قوله تعالى [ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ] أي ما فرضناها عليهم ولكن ابتدعوها [ابْتِغاءَ رِضْوانِ الله] أي طلباً لرضاه تعالى[٨٦٩]، ففي علل الشرائع وعيون أخبار الرضا (ع) قال : أبي رحمه الله قال : حدثـنا محمد بن يحيى العطار عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن علي بن أسباط (بن سالم ثقة وكان أصدق الناس لهجةً وأوثقهم ، كان فطحيّاً ثم رجع إلى المذهب الحقّ) عن محمد بن علي بن أبي عبد الله (يروي عنه البزنطي بسند صحيح وهذا أمارة الوثاقة) عن أبي الحسن (ع) في قول الله عز وجل [ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله] قال (ع) : صلاة الليل[٨٧٠]يمكن تصحيح سندها ، أي كانت تلك البدعة صلاةَ الليل ، ويفهم من ظاهر الآية والخبر أنّ من البدع ما يكون حسناً كما ذكره الشهيدان وغيرُهما رضي الله عنهم ، ويمكن أن يكون في الشرع السابق حسناً ، لما ورد من أن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبـيلها إلى النار ، (أو) يحمل على النذر وشبهه ويكون الإطلاق مجازياً وهو الأظهر من الأخبار" (إنـتهى) [٨٧١] .
[٨٦٨] أحكام القرآن ج ٤ ص ١٨١ .
[٨٦٩] أي يمكن أن يكون الله تعالى قد أوجبها عليهم بالنذر ونحوه لرجحانها شرعاً ولم يرفضها لمرجوحيتها .
[٨٧٠] وكذلك رواها في يب بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن علي بن أسباط عن محمد بن علي بن أبي عبد الله .
لكن هل كانت صلاة ليلهم كصلاة ليلنا أي في شريعتـنا الخاتمة ؟ فإن كان الجواب بالإيجاب فلا يـَبقى محلٌّ لإجراء الإستصحاب ، وذلك لمشروعية صلاة الليل عندنا ، وإن كان الجواب بعدم العِلم فأيضاً فلا يـبقى محلٌّ لإجراء الإستصحاب ، وذلك للجهل بالحكم في شريعتهم ، ولذلك ينـتهي البحثُ في آية [ورهبانيةً ابتدعوها] على كلّ تقدير .
[٨٧١] فـي كتابه ( روضة المتّقين في شرح من لا يحضره الفقيه) ص ٦٧٥ .