دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٧٥ - ١ ـ الإستدلال بالكـتاب الكريم
جيد وممدوح ، بخلاف ما لو لم يكن يصدّقُهم ، فإنهم ح سيقعون في الحرج والضيق مع رسول الله (ص) . فإذن عندنا وجهان للزوم أن نصدّق المؤمنين ، إمّا من باب التأسّي برسول الله ، وإمّا من باب جودة تصديق المؤمنين ، سواء من قِبَلِ النبي أو مِنْ قِبَلِ غيرِه من سائر الناس ، ممّا يعني حجيّةَ أقوالِ المؤمنين وحكاياتِهم حتى ولو لم يحصل عندنا منها عِلْمٌ ، لأنه لو كان حصول العلم مشروطاً لما كان هناك محلّ للمدح ، لأنّ اتّباع العلم أمرٌ عقلي واضح ، ولا يناسبه انـتقادُ الكافرين ، ولا يناسبه هذا المدح ، ولا محلّ ح للتخصيص بالمؤمنين في قوله تعالى [وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ] ولكان الاَولى أن يقول ويؤمن بالحقّ وبمعلوم الصحّة .
ولكي تطمئـن لما نقولُ أكثرَ ، لا بأس بذِكْرِ ما رواه في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبـيه عن ابن أبي عمير عن حمّاد بن عيسى عن حريز قال : كانت لإسماعيل بن أبي عبد الله (ع) دنانير ، وأراد رجلٌ من قريش أن يخرج إلى اليمن ، فقال إسماعيل : يا أبَهْ ، اِنّ فلاناً يريد الخروجَ إلى اليمن ، وعندي كذا وكذا دينار ، أفترى أن أدفعها إليه يـبتاع لي بها بضاعةً مِنَ اليمن ؟ فقال أبو عبد الله (ع) : يا بُنَيّ ، أما بلغك أنه يشرب الخمرَ ؟! ، فقال إسماعيل : هكذا يقول الناس ! فقال : يا بُنَيّ ، لا تـفعلْ ، فعصى إسماعيلُ أباه ودفع إليه دنانيره ، فاستهلكها ولم يأتِهِ بشيء منها ! فخرج إسماعيل ، وقضى أنّ أبا عبد الله (ع) حج وحج إسماعيلُ تلك السنة ، فجعل يطوف بالبـيت ويقول : "اللهم أجِرْنِي واخْلُفْ علَيَّ" فلحقه أبو عبد الله (ع) فهَمَزَه بـيده مِن خلفه وقال له : يا بُنَيّ ، فلا واللهِ مالَك على الله هذا ، ولا لك أن يَأْجُرَك ، ولا يخلفَ عليك ، وقد بلغك أنه يشرب الخمر فائـتمنـته ! ، فقال إسماعيل : يا أبَه ، اِنّي لم أره يشرب الخمرَ ، إنما سمعت الناسَ يقولون ! فقال : يا بني ، اِنّ اللهَ عز وجل يقول في كتابه [يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين] يقول : يصدق اللهَ ويصدَّقُ للمؤمنين، فإذا شهد عندك المؤمنون فصَدِّقْهُم ، ولا تأتمِنْ شاربَ الخمرِ ... [٤٣٩] صحيحة السند .
إذن يظهر من الآية المباركة عدّةُ اُمور :
١ ً ـ إنّ أخبار المؤمنين في الموضوعات حجّة شرعاً ، سواءً حصل عِلْمٌ عند السامع أو لم يحصل ، وذلك لإطلاق آية [وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ] وهو يقتضي تـنزيلَ أقوالِهم منزلةَ الواقع تعبّداً ، بما له من آثار شرعية ، وهو معنى الحجيّة .
[٤٣٩] ئل ١٣ ب ٦ من كتاب الوديعة ح ١ ص ٢٣٠ .