دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٤٥ - المَقام الثالث في حرمة الفعل المتجرّى به وعدمه
وكذا لو شرب الخلّ باعتقاد أنه خمر ، فإنه لم يرتكب حراماً فعلاً ، لأنّ شرب الخلّ نافع ومفيد وجائز ، نعم هو ارتكب حراماً فاعلياً .
وأمّا أنه إن كان نهيُ الفسّاق عن المحرّمات ـ كشُرْبِ الخمر ـ لا يكفي فما الفائدةُ العملية في نهيهم عن التجرّي ! فجوابُه أن الأوامرَ والنواهي إن هي إلاّ معاني في اللوح المحفوظ متولّدة عن الملاكات ، ولا تكلّف فيها عند الباري تعالى أن يعتبر ـ ولو في عالَم الإعتبار والثبوت ، دون عالم الجعل والإبراز ـ أنّ التجرّي حرامٌ فاعلياً ـ أي بلحاظ صدوره من الفاعل يعني بلحاظ النيّة ـ أو قُلْ : إنْ تمّ الملاكُ في النهي عن التجرّي فيجب أنْ يتولّدَ ـ ولو في عالم الإعتبار ـ النهيُ عنه ، ويكفي في التحريم الفاعلي ثبوتُه في مرحلة الإعتبار لو فرضنا وجودَ مانعٍ من إبرازه ، كما في قوله تعالى [ولله على الناس حجّ البـيت من استطاع إليه سبـيلاً] بناءً على تـفسير الآية بكون الإيجاب ـ في الآية المباركة ـ في مرحلة الإعتبار لا في مرحلة الإبراز ، بحيث لو قُدِّرَ لنا أن نسأل الباري تعالى عن جواز ارتكاب الفعل بقصد معصية الله لأجابنا بعدم جواز ذلك قطعاً ، وهذا هو المقصود من حرمته الفاعلية .
إذن الصحيح أنّي لم أرَ وجهاً للقول بحرمة الفعل المتجرّى به على مستوى الجعل والإثبات ، وما أراه صحيحاً هو القول بقبح التجرّي فقط ، أو قل نفسُ التجرّي حرام ، أي أنّ تحريمه فاعلي أي بلحاظ صدوره من الفاعل ـ لا فعلي ـ ، وذلك لأكثر من سبب ، منها أنّه لا داعي لإنزال تحريم الفعل المتجرّى به على قلب رسول الله (ص) بَعْد تبـيـين المحرّمات ، ثانياً : لا فائدةَ عمليةً من تحريم الفعل المتجرّى به لقاصد التجرّي ، أي بعد علمه بالمعصية ، فإنه إن لم ينـتهِ من التحريم الواقعي للخمر فما بالُك بالإنـتهاء عن التجرّي ، ثالثاً : المتجرّي لا يعرف نفسه أنه متجرٍّ ، وإنما يعتقد بنفسه أنه عاصٍ ، فما فائدة إنزال تحريم نفس الفعل المتجرّى به بعدئذ ؟!
بل أقول أكثر من ذلك ، فإنّي أرى أنّ مجرّدَ الهمِّ بما يعتقده المكلّفُ حراماً يستحقّ عليه العقاب عقلاً لأنه لون من ألوان معصية الله تعالى وتحدٍ له جلّ وعلا ـ نعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ـ لكن لا ينبغي أن يكون حراماً شرعاً ، وذلك لما ذكرناه من لغويّة النهي عن الهمّ بالمحرّم بعد النهي عن نفس المحرّمات .
ونـتيجةُ بحثـنا ـ لحدّ الآن ـ هو عدمُ حرمة الفعل المتجرّى به ، نعم نفس التجرّي ـ أي بلحاظ صدور الفعل عن الفاعل مع غضّ النظر عن عنوان الفعل المتجرّى به ـ هو قبـيح جداً ، فهو حرام فاعلياً ، أي بلحاظ نيّة الفاعل ، لا أن نفس شربه للخلّ ـ باعتقاد أنه خمر ـ صار حراماً شرعاً .