دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٠٦ - * الجهة الثانية في أقسام استصحاب الكُلّي
*إذن لا يصحُّ جريان الإستصحاب في هذا القسم الثاني ، وما قدّموه من مثالٍ النظرُ فيه هو إلى الطبـيعي وهو موجود في الخارج ، فإنّ نظر الناذر إنما هو إلى الطبـيعي الموجود في الخارج ـ لا إلى المفهوم الكلّي الذهني المحض المسمّى بالكلّي العقلي ـ ممّا يَستحيلُ معه القولُ بصحّة استصحاب بقاء جامع الإنسان في هكذا حالة ، كما ذهب إلى ذلك ـ بحقّ ـ الشهيد السيد مصطفى الخميني ، وذلك لأنّ نظر الناذرِ في المثال المذكور إنما هو إلى الخارج ، وليس في الخارج احتمالاتٌ إلاّ زيداً أو عَمْراً ، لا غير ، فحينما نَظَرَ الناذرُ ووَجَد زيداً في الخارج ، وهو يشكّ في أصل دخول عَمْرو ، فهو قطعاً لن يستصحبَ بقاءَ مصداقِ الإنسان ، فأيّ إنسان يَستصحب بقاءَه بعد وجود زيد في الخارج وعدمِ علمِه بأصل دخول عَمْرو !! ومع التـنزُّل نـتساءلُ : هل يجري استصحابُ كلّيّ الإنسان بناءً على احتمال كون الداخل هو عَمْرو ؟! فهنا ـ أي في حالة الشكّ في جريان الإستصحاب ـ يجب أن تجري البراءةُ عن وجوب التسبـيح عليه ، بعد عدم علمنا بجريان الإستصحاب في هكذا حالة ، والأصل عدمُ حجيّة الإستصحاب في مواضع الشكّ ، بَعْدَ بُعْدِ وجود إطلاق في البَين لهكذا حالة .
بتعبـيرٍ آخر ، إنّ مسألتـنا هذه هي شبهة حُكْميّة ، بمعنى أنـنا نشكّ في أصل تشريع الإستصحاب في هكذا حالة ، وذلك لأنّ هذا الشكّ مسبَّبٌ عن الشك في حدوث الفرد الطويل الباقي ، فهل في هكذا حالة يجري إستصحابُ الكلّي الطبـيعي أم لا ، فهي إذن شبهة حكميّة واضحة ، لأنّ الشكّ في مرحلة الجعل ، والأصلُ في هكذا حالة هو عدم الحجيّة .
على أني لم أجد مثالاً يجري فيه الإستصحابُ في الكلّي الطبـيعي ويكون النظر فيه إلى الجامع الذهني من حيث هو جامع ذهني ، بل لن تجد مثالاً لهذا الفرض لأنه سوف يخرج عن كونه من القسم الثاني من استصحاب الكلّي ، لأنّ المستصحَب فيه سوف يكون صورةً ذهنيةً أو مفهوماً ذهنياً ، وهذا خارج عن حالة القسم الثاني من استصحاب الكلّي .
المهمّ هو أن يتوجَّهَ المحقِّقُ إلى وجود فرق بين الكلّي الطبـيعي الذهني المحض والكلّي الطبـيعي الذي يدّعون أنه يوجَدُ في الخارج ضِمن أفراده ، بذريعة أنّ المراد منه هو الطبـيعي الخارجي ، وقد توسّعنا في شرح هذا المطلب سابقاً في (فصلٌ : هل الأوامر والنواهي متعلقةٌ بالطبائع الكليّة أم بالأفراد الشخصيّة ؟) فراجع[٧٩٨].
[٧٩٨] وممّا قلناه هناك ما يلي : إنّ موضوع الأحكام الشرعيّة ـ في مرحلة الثبوت والتصوّر ـ هو الكلّي الطبـيعي ، وأمّا في مرحلة الإمتـثال فما يحصل في الخارج هو نفسُ الطبـيعة ، فحينما يقول لنا المولى جلّ وعلا "صلِّ" فإنما يَطلب مِنّا إيجادَ طبـيعةِ الصلاة في الخارج ، لكنه بما أنه لا يمكن تحديدُ صلاة معيّنة كان المأمور به في عالم الذهن والثبوت والجعل هو الكلّي الطبـيعي ، وذلك لإمكان تطبـيق المكلّفِ للصلاة بأيّ كيفية شاء ، طالما كان ضِمن الشروطِ الشرعية ، كأن يصلّي في أوّل الوقت أو في آخره ، وبالثوب الفلاني أو بثوبٍ غيره ، وفي هذه الزاوية من الغرفة أو في الزاوية الأخرى ، لذلك قال المحقّقون بأنّ (الصلاة) هنا هي كلّي ذهنيّ ، وهي الموضوع المأمور به ، وأمّا (الصلاة) المأتيّ بها فهي جزئيّة خارجية . وهنا يصحّ القول بأنّ المطلوب هو الكلّي الطبـيعي للصلاة ، وأمّا الذي يوجَد في الخارج ـ عند الإمتـثال ـ فهو الطبائع والماهيّات الموجودة في الأفراد .
إذَنْ ، المولى تعالى حين يَطلب منّا (الصلاةَ) ـ مثلاً ـ فهو ـ كأيّ مُقَـنِّن ـ يَنظر إليها بنحو الكلّي الطبـيعي ، أي ينظر إليها في مرحلة التصوّرـ أي قبل إنزال الحكمِ على قَلب رسول الله pـ كعنوان يَصلُحُ إيجادُ أفرادِه في الخارج ، ولكنه ـ في مرحلة الإمتـثال ـ لا يَطلب مِنّا إيجادَ نفس الكلّي في الخارج ، لأنه لا يمكن ـ كما قلنا ـ ، وإنما يَطلب منّا إيجادَ الطبـيعةِ في الخارج ، فإنّ الذي فيه مصلحةٌ أو مفسدةٌ هي الطبـيعة التي يوجِدها المكلّفُ في الخارج ، وليس الكلّيُّ الموجودُ في الذهن .