دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦١٧ - * المقدمة السادسة حجيّة المداليل الإلتـزامية للأمارات دون الاُصول
ومثلُها في تـنزيل مؤدّى الخبر منزلةَ الواقعِ التوقيعُ الشريف فإنه لا عُذْرَ لأحدٍ مِن موالينا في التشكيك فيما يُؤَدّيه(يرويه ـ خ) عَنّا ثِـقاتـنا[٦٢١] والمداليلُ الإلتزامية هي مداليلُ عرفيةٌ لما يؤدّيه الثقةُ .
المهم ، يفهم الإنسانُ أنّ المولى تعالى أعطى الحجيّةَ لخبر الثقة بكلا مدلوليه ، المطابقي والإلتزامي ، وذلك لأنّ الثقةَ الذي يُخبر بقطع رأس زيد فهو يُخْبِرُ بالملازمة العادية بموته وبخروج الدم منه ، وإنّ المولى تعالى إذا أعطى الحجيّةَ لخبر الثقة بسبب غالبـية مطابقته للواقع فهذا الملاك موجود في المدلولين المنطوقي والمفهومي بلا أيّ ميزة بـينهما ، وموجود في المدلولَين المطابقي والإلتزامي[٦٢٢] ـ الذي يعبّرون عنه بمثبَتات الأمارة ـ ، والملاكُ في إعطاء الحجيّة لخبر الثقة هو ما عرفتَه من أغلبـيّة مصادفة مؤدّى الأمارةِ للواقع ، وموافقةُ الواقعِ غالباً ، موجودٌ في كل الخبر ، بمدلولَيه المطابقي والإلتزامي ، فإذا أخبرك الثقة بأنه رأى شياطين داعش لعنهم الله قد قطعوا رأسَ فلان وأنت تعلم أنّ خبر الثقة في الموضوعات حجّة شرعاً ، فإنك ستعتبر ، ولو تعبّداً ، أنّ اللازم ـ وهو أنه قد قُتِل ونزل منه الدم ـ قد حصل ، أي أنك تـفهم من إعطاء الحجيّة لخبر الثقة ـ في آية النبأ والروايات ـ إعطاءَه الحجيّةَ بكلا مدلولَيه ، المطابقي والإلتزامي ، وهكذا يفهم كلّ الناس . ولذلك ترى كلّ العلماء يقولون بحجيّة مثبَتات الأمارات .
فإن قلتَ : بل الأمْرُ كذلك في بعض الأصول العملية أيضاً كالإستصحاب ، فإنّ الشارعَ المقدّسَ اعتبر المستصحِبَ عالماً تعبّداً بـبقاء الحالة السابقة لقوله وإلا فإنه على يقين من وضوئه في صحيحة زرارة المعروفة ، يقول الإمام (ع) "أنت على يقين مِن أنك قد توضّأتَ ، إذن إبْقَ على يقينك ، طبعاً تعبّداً ، لأنك شاكّ وجداناً ، واعتبرْ نفسَك متيقِّناً بـبقاء الحالة السابقة" ، وكما يوجد في خبر العادل كشفٌ فكذلك يوجد في الإستصحاب كشفٌ ، حتى وإن قلنا إنّ الكشف في خبر العادل أقوى ـ غالباً ـ من قوّة الكشف في الإستصحاب ، فلماذا لا نقول بأنّ الإستصحاب هو أيضاً أمارة وأنّ فيه تـنزيلَ
[٦٢١] ئل ١ ب ٢ من أبواب مقدّمة العبادات ح ٢٢ ص ٢٧ .
[٦٢٢] لا شكّ أن القارئ المتخصّص بهذه المادّة يعرف الفرق بين المفهوم اللفظي والمدلول الإلتـزامي ، ولكنـنا مع ذلك نذكّرهم فنقول : المفهوم هو ما يُفهم من نفس اللفظ ، فقولك "إن نجح زيد فاَكرمه" أو "إنما يجب عليك إكرامُ خصوص الناجح" مفهومُه "إن لم ينجح زيدٌ فلا يجب إكرامه" وهكذا ... ولذلك أدخلوه في المباحث اللفظية ، وأمّا المدلول الإلتـزامي فهو اللازم العقلي أو العادي للكلام ، كـ (نبات لحية ولدك) في المثال المشهور ، فـ ( نبات لحيته ) لازم عادي لبقائه حيّاً إلى أن صار كبـيرَ السنّ ، وكما في مثال قول الثقة ( قَطعوا رأسَ زيد ) فإنّ لازمه العادي أنه قد قُتِل ، ولذلك هذا يدخل في الأحكام العقلية ـ لا اللفظية ـ .