دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٣١ - مسألة الضدّ ونـظـريّـةُ الـتـرتّب
وكذا لو وجبت عليه إزالةُ النجاسة من المسجد ووجبت عليه الصلاة أيضاً ، وعَصَى ولم يطهّرِ المسجدَ رغم سعة الوقت للصلاة ، وإنما ذهب وصلّى ، فصلاتُه صحيحةٌ سواءً كان وقتُ الصلاةِ مُوَسَّعاً أو مضيَّقاً .
فإن قلتَ : يكفي عدمُ وجودِ أمْرٍ بالعبادة للقول بـبطلان العبادة ، بلا حاجةٍ إلى إثبات النهي عن الصلاة ، كما يقول الشيخ البهائي[٢٧٨] ، ومع وجود الأهمّ لا يمكن عقلاً أن يؤمر بالصلاة .
قلتُ : بل لا شكّ في وجود أمْرٍ بالصلاة ، بدليل إطلاق الأمْرِ بالعبادات ـ أي حتى في حال مزاحمتها بالأهمّ ـ فالأمرُ بالصلاة وغيرِها غيرُ مقيّد شرعاً بعدم الأمر بالأهمّ[٢٧٩] وذلك للإطلاق اللفظي في الأمر بالصلاة وغيرها ، نحو [ اَقيمُوا الصلاةَ ] و [ آتُوا الزكاةَ ] و [للهِ على الناسِ حِجُّ البـيتِ مَنِ استطاعَ إليه سبـيلاً ] و [ كُتِبَ عليكم الصيامُ ] فهي عبادات محبوبةٌ ذاتاً ومأمور بها مطلقاً ، فلم يَقُلِ الباري عزّ وجلّ (أقيموا الصلاة في حال عدم وجود الأهمّ) ... نعم ، في مقام الإمتـثال ، من الطبـيعي أن يقدَّم الواجبُ الأهمّ ـ كالإنـقاذ ـ على المهم ، أي أنّ الأمر التـنجيزي بالمهم مقيّد عقلاً ـ لا شرعاً ـ بعدم إرادة الإتيان بالأهمّ ، بمعنى أنه إن لم يُرِدِ الإتيانَ بالأهمّ فإنّ العقل ح يَحكُمُ بلزوم التـنزّل إلى المطلوب الذاتي الثاني ـ وهو المهمّ ـ وإلاّ لَوَقَعَ المكلّفُ في مبغوضَين اثـنين ، ولذلك نقول بأنك إن لم تؤمن بالإطلاق وقلتَ بعدم نظر قوله تعالى[أقيموا الصلاة] إلى حالة وجود أهمّ منها ، فإنّ العقل يحكم بـبقاء فِعْلِيّة وجوب الصلاة سواء أراد الإنقاذ أو لم يُرِدْ ، لأنّ الفعليّةَ وليدةُ تماميّة الملاك ، ومحبوبـيةُ الصلاة حتى في حال وجود أهمّ منها باقيةٌ قطعاً ، والجعل باقٍ قطعاً ، والزوالُ والبلوغُ والعقلُ باقية قطعاً ، فلا وجه للقول بعدم بقاء فعليّة الصلاة ، ولذلك نقول إنّ تـقديمَ الأهمّ
[٢٧٨] محاضرات في أصول الفقه للسيد الخوئي ج ٣ ص ٥٠ .
[٢٧٩] وهنا بدأنا بالتعرّضِ لـنظريّة الترتّب ، وقد تصدّى المحقّق الثاني وكاشف الغطاء والميرزا الكبـير السيد الشيرازي ـ اُستاذ صاحب الكفاية ـ وتلميذاه السيد محمد الإصفهاني والميرزا النائيني وغيرُهم لتصحيح الأمر بالضدّ بنحو الترتّب ، خلافاً لجماعة آخرين كالشيخ الأنصاري وصاحب الكفاية وجمع ممّن تأخّر عنهما فإنهم قالوا باستحالة تعلّق الأمر بالصلاة في حال وجود مزاحمة مع الأهمّ . ذَكَرَ ذلك في منـتهَى الدراية ج ٢ ص ٥٥٧ .
وقال الشيخ الآغا بزرك الطهراني في مقدّمة كتاب (الصراط المستـقيم إلى مستحقي التـقديم) ج ٢ ص ٧ للعلامة الشيخ علي بن يونس العاملي النباطي البـياضي قال : "المحقق الثاني : الشيخ علي الكركي صاحب (جامع المقاصد) والمتوفى سنة ٩٤٠ هـ ، وهو أول من قال بنظرية (الترتُّب) في علم الأصول ، وأنكر على أساسها ثمرةَ الضدّ ، وقد كان شيخنا المحقق الآخوند محمد كاظم الخراساني صاحب (الكفاية) يرى الترتب محالاً ، بـينما كان المحقق الميرزا حسين النائيني يراه من البديهيات"(إنـتهى كلام الآغا بزرك) .